المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 حنيفة أنور بدر Headshot

من يوميات شاب متعب

تم النشر: تم التحديث:

يفتح عينَيه على يوم جديد يستقبله بلا مبالاة واضحة، فلا تفاؤل يبديه ولا تشاؤم، إنه حتى لا يعرف أياً من أيام الأسبوع هو، فكل الأيام غدت متشابهة بالنسبة إليه، وكلها بلا طعم أو لون أو رائحة، يزفر قليلاً وهو يحاول إقناع نفسه بالنهوض من السرير، ينجح بعد مدة ليست بالقصيرة بإجبار نفسه على ترك الفراش، وإن كان فعل ذلك بتثاقل.

يزدرد بضع لقيمات ببطء فهو لا يشعر برغبة فعلية بالأكل، ولكن عادة تناول الفطور قد تأصلت لديه بتأثير أمه، يخرج من بيته في طريقه إلى عمل يكاد يقتله برتابته.

في الطريق تأخذه الأفكار، كيف وصل إلى هنا؟ كيف صار هكذا؟ كان شاباً تملؤه الحياة، بل كان هو من يملأ الحياة، كان يتفجر طاقة، كان ينبوعاً من إيجابية، كان يرى المستقبل مشرقاً مزهراً، كان يبث الأمل في كل من حوله، كان مؤمناً بأن التغيير ممكن بل هو قادم إن نحن شحذنا الهمم وأردنا التغيير فعلياً، لهذا كله كان جزءاً من الثورة في بلده.

خاض كثيراً من الجدالات والمناقشات، نزل إلى الشوارع واختفى صوته من كثرة الهتاف، تصادم مع قوات الأمن، جرح عدة مرات، وكاد مرة أن يقتل، ولكن الله سلَّم، لم يثنِه ذلك وظل مرابطاً في الشارع وهو يشعر بأن ذلك أقل ما يجب عليه تجاه بلده وتجاه أهل بلده، كان مستعداً أن يفعل الكثير الكثير ليرى حلمهم الجميل بغد يستحقونه يولد.

وقد كان، للحظات انتصرت ثورتهم، حطموا الأصنام وأزالوا الطغاة ورسخوا تجربة ثورية جديدة تستسقى منها الدروس وتؤخذ منها العبر.

كم كان فخوراً بنفسه وبرفاقه وبكل الذين ساندوهم ولو بالدعاء، كم كان سعيداً بأنه أخيراً سيتاح لبلده أن يأخذ فرصته ليكون، لا كلمات تصف مشاعره الغبطة لديه فعلياً.. لا كلمات، ولا كلمات تصف مشاعر الإحباط التي اجتاحته بعد أن انهار كل شيء أمام عينيه كذلك.

لقد ضاع كل شيء، الثورة ومطالبها، الانتخابات ومكتسباتها، الحرية واستحقاقاتها، الغد والأمل فيه.. كل شيء اختفى، وقد عاد النظام القديم بكل جبروته بل بجبروت أكبر وأشد، بشهية للانتقام لا تعرف الشبع، كان كل شيء بشع تخيل أنه موجود يوماً بل إن بشاعته فاقت تخيلاته.

أخذ يفكر بكل الضحايا، الشهداء والجرحى والمعتقلين والمخطوفين والأيتام والأرامل والثكالى والهاربين والمطاردين، أخذ يفكر بأصدقائه الذين انتهوا بإحدى الخانات السابقة، وكيف أنه نجا لأنه غادر البلد، أخذ يفكر بالأحلام المسحوقة، بالآلام التي لا تعرف حداً، بالمستقبل الذي أدار ظهره، بالمبادئ التي دِيست، بالوطن الذي لم يعد وطناً.

كل هذا يزعجه ويزيد وطأة شعوره بالاكتئاب، لطالما ساءل نفسه إن كان سبباً في كل ما حصل؟ هل كان يجب أن يثور؟ ألم يكونوا مستعجلين؟ هل أخذتهم حماسة الشباب ولم يتبصروا الطريق أمامهم جيداً؟ ألا يعد قاتلاً إذا كان الجواب نعم؟!

كل ما يعرفه أن إحساسه تبلد، ولم يعد شيء في هذه الدنيا يعنيه، فأينما اتجه ناظره رأى الخراب والدمار والقتل والكذب والتشويه، فكيف لا تنال نفسيته شيئاً من هذا كله؟!

إنه لا يشعر بالحياة، وما الحياة إلا شعور المرء بها! بالأمس قرأ اقتباساً لهيرودت يقول: "عندما تكون الحياة مضنية يكون الموت ملاذاً يسعى المرء إليه"، وأمسك نفسه متلبساً بالتفكير بالانتحار، فقد بدا خياراً منطقياً بالنسبة إليه، بدا وكأنه الضوء الوحيد في آخر هذا النفق الذي لا يعرف إن كان له نهاية أصلاً، ولكن بقية الإيمان التي بقيت لديه جعلته يهز رأسه في محاولة لطرد هذه الأفكار منه، واستسلم للنوم بعد تفكير مجهد.

يصل إلى العمل، ويدخل إلى مكتبه ثم يدفن نفسه بين أكوام الملفات، وعندما يعود مساءً إلى البيت تباغته الأفكار نفسها فجأة.. يشعر بألم في الرأس، فيقرر الذهاب إلى النوم باكراً، وهو يتساءل: كيف السبيل لوقف هذا كله؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.