المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حنان اليوسفي Headshot

إلى كل أنثى عنّفها رجل.. هذه طريقتي فى تجاوز الألم

تم النشر: تم التحديث:

اليوم هو اليوم العالمي لوقف العنف ضد المرأة، اليوم الذي تحاول فيه المرأة فرض حقوقها على نفسها وعلى الرجل ورفض فكرة العادة والصمت والعبادة في فكرة التعنيف.

سأتجاوز فكرة العنف إلى ما أبعد منه؛ أي المعاناة العقلية وهي أشد أنواع المعاناة، لا يُمكن أن يُدركها أصحابُ معاناة الجسد، تلك العتمة التي تعيشها الذاكرة والتي تنشأ ما بعد ذلك السواد الذي يغطي حياتك.

والنفس التي لا تجد في الآخر سوى جهة مفترسة، قد تستيقظ في أي لحظة، فيصبح المعنف العقلي النفس التي أتعبها وجود الحياة الموجودة فيها لملء الفراغ، والفراغ يملأ بأي شيءٍ، ولا يسدُّه أيُّ شيءٍ!

قبل هذا، تذكري أن معاناتك لا يُقيِّمُها سواك، قد لا نحتاج الحديث عنها؛ إذْ لا يعرفُ معانيَ نفسِهِ من البشر إلا هو، فلا تنتظري تقييماً ممن لم يقم.. وتذكري قول محمود درويش:
"إن أردت الوصول إلى نفسك الجامحة، فلا تسلك الطرق الواضحة!".

نعرف جميعاً أن الغرق في ذكرى المعاناة من المعضلات التي نعانيها، وأظن أن كثيرين مثلك، ويبدو أن كثرة التذكر والالتفات إلى معاناتنا في ماضينا نابعة من اعتقادنا -ولسنا بالضرورة واهمين- بأن فرصاً أو حظوظاً قد فاتت أو أن معاناة كان علينا تلافيها ولا سبيل لاستدراكها، وأنها من الأوجه والمحنة والألم بحيث لا يمكن أن تتكرر، بمعنى أنها معاناة انطوت ومضت فلن تعود أبداً، لا يعني هذا أن نمتنع عن مطالبتنا بحقوقنا، لكني أنوه بالذكرى، ولذا فنحنُ -والحالُ هذه- لن نرى في مُضِي الأيام إلا نزوحاً موجعاً وابتعاداً لشخصك وأناكِ على القلب، فيبدو الحاضرُ كالموج الحائل دون جزيرة الأحلام، فكلما أوغلنا في الزمن هاجَ الحاضر ورمى بنا بعيداً.. بعيداً عن تلك الجزيرة.

لكن، من أهم العبر التي استوقفتني في حياتي أن المعاناة لا تستمر وأن هناك خصلة فينا اسمها الأمل والقوة والفرج الذي يأتيك من حيث لا تحتسبين، فإن أعظم الألم المبرّح هو أن تمتلئ نفسك بما يشبه "اليقين" بأن ما فات لا يمكنُ استدراكه، وأن البديل المفترض الذي تتطلّعين إليه لا يمكنُ أن يكون إلا عين "المبدل منه"، أي إنه لا بديل إطلاقاً، ما يعني أن باب الأمل والرجاء قد سُدَّ تماماً، فلا خلَفَ ولا عوض مما فات، فتكتمل شروط اليأس، وتتأبدُ المرارة.. وهذا ما ليس صحيحاً ألبتة؛ لأننا بذلك قد وقعنا في خطأ توقّع وتحديد مداخل الفرج، فهذا الاستشراف أو التطلّع لا يمكن أن يمدَّ ناظريه سوى إلى المعروف -سلفاً- لديه. أما ما ليس خاطراً بالبال فلا يلوحُ في الخيال؛ لأن الخيال مأسور محتَبسٌ لذاك الأمل الفريد المنتظر، أي إن التمني هو الخادع الماكر المختبئُ في الأمنية نفسها، فإذا ماتت تلك الأمنية خارت قدرتنا على التمني، لكن إن تفطّنا إلى أن الأيام حبلى دوماً بما سيصيرُ لاحقاً أمنيات، أمنيات من نوعٍ وشكل وطبيعة أخرى ربما، أي إنها لا تخطر على بالٍ كسير ماضيه الآن.

ما أنا "متيقنة" منه تماماً، أن المرأة كأديم الأرض معبرٌ للربيع والصيف، لا ربيعنا يبقى، ولا صيفنا يدوم، فما أعشبتْ إلا لتضمحل، وما اضمحلّت إلا لتعشب. ولذا، فإن الميت حقاً هو من فقدَ قدرتَه على الأمل والتمني، أي الإنبات، فما الحياةُ إلا أمنيات تتجدد، تموتُ لتحيا، وتحيا لتموت.

وتذكري أنكِ انتهيتِ من الألم ومنهُ، فلا حاجة لكِ به، وأن الأمر موكول لكِ الآن، فأنت الشخص الوحيد الذي يستطيع مداواة جراحه بنفسه.

ستمر السنونُ والأسابيع والأيام وستعود الذكرى لكِ كنوع من الاحتجاج على الحاضر، سنلعنُ أيامنا وحاضرنا على ما مرّ بنا ونتمنى أن نغيرَ الخطوة التي دفعت الآخر أن يستسهل حديثه وحركاتهُ، سنشكو الدهر آهاتنا لكنكِ ستواصلين..

أذكر صديقةً بعد تعرضها لأذى من حبيبٍ كانت ترى فيهِ أنسها وبعد مفارقتها لهُ تقول: "إنني إن ضاق بي الحال كنتُ أذهب لقبر أبي فأبكي عنده طويلاً"، لكأنما تشكو له جور الزمان والناس، وتستعيدُ عند ضريحه أمجاداً ربما رأت أنها قد دُفنت معه، مع أن الأصل في زيارة القبور هو الدعاءُ والترحّم على الميت لا بثّ الشكوى له، لكن يبدو أننا نفعل شيئاً أحمق كهذا مع ماضينا الذي اخترمته المنيّة، فهي كالمدفوع إلى المقبرة من الخارج لا المجذوب إليها من الداخل، لمّا حاصرها الحاضر لجأت إلى الماضي المطمور في القبر، للميت رمزية معينة، تعني أنه قد بات أكثر من شخص عزيز؛ بل هو زمنٌ غابرٌ عزيز، وتأتي الشجاعة في أن نجاهد لنظلَّ آملين متطلعين، كالأرض التي تردُّ على الصيف بالربيع!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.