المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حنان اليوسفي Headshot

أَدْرَان.. عن نفسي أتحدث.!

تم النشر: تم التحديث:

كنت أتمنى أن أبدأ أول مقالاتي وأنا أتحدث مثلاً عن القضايا السياسية أو الاجتماعية، أو ألقي خطابًا عن تفاصيل الحياة وفكرة الحياة نفسها في الدروس الحسنية التي أتلفظ بها على إحدى المواقع الاجتماعية، لأظهر بتلكَ الشخصية القوية والتي لا تضيقُ ذرعًا من تقرب البعض أو تلكَ المرأة التي تتعرضُ بسببِ اسمها أو بسبب هويتها أو بسبب تقبلها للآخر إلى التحرش الكلامي الذي يتم باسم التحفظ الإسلامي وذلكَ من أعتى رجل دين -أو من سميّ نفسهُ كذلكَ.

لكن عوض ذلكَ أريدها همسة مهجية أو اعتبرها بداية جديدة لطفلة ساذجة تزاحمت عباراتها على ثغرِها حتى فقدت طاقتها اللغوية فأدارت عينيها من الخجل كطائر يرفرف ليحط بلا قصد في مكان آمن، على الأقل لأطمئن أنيّ بخير، وهذا يكفي، إذ لا أريد أكثر من الاطمئنان على نفسي، ثم ما يدريني فأنا لا أراني أحاول قطع المحيط الهندي سباحةً وبمفردي؟!.. فهو متلاطم بالمصاعب، وربما سأشرقُ كثيرًا، وسأتعبُ طويلاً، وسيضطرني ذلك إلى عَصْرِ قميصي الوحيد ونشره أكثر من مرة، وهذا ما سيجعلني مكشوفةً بطريقةٍ لا أحبها لي، ثم لا أنا نصرتَ حقًّا، ولا خذلتَ باطلاً، ولا حققتُ شيئًا باسم نظرة المجتمع الذي هو نفسهُ يعيشُ حالة حصارٍ مملة لا تريدُ أن تهدأ، فصارت كل آرائهم مدنسة بأهواء بشرية، وكنا نعتقده وحيًا منزهًا.

فأيَ فائدةٍ نلت سوى التعب وحرمان الأجر في هذه الحياة فإن كانت المعاني لا تدرك إلا بالمعاناة فأنا على الأقل عايشتُ هذه المعاناة من عمر صغيرة، فما الذي يفرقُ أن أستمر في عيشها، وإن كانت الغربة عذابًا قاتلًا؛ فكم هم الغرباءُ المواطنون.!

ربما من القهر أحيانًا أنيّ أطلق هذا الدعاء وأوصي به نفسي وكأنه ثيمة أن تكونِ يا نفسي كما عهدتك، تبسطين يديك للعظيم والمفيد من الأعمال، وأن لا أمنحها وقتًا لتضيّعيه في "الترهات"، وأنّ أخلص في خدمة من أحبّ، ولا أفارق علمي حتى يقال حفظَ الله ورحم الله من ربّى وكبرّ أبدَ الداهرين، وأن أعملَ وأعوض أهلي، حتى وإن غرقت وابتلعتي الترهات، فإني لن أصلي عليّ صلاة الجنائز، لأني لن أموت، سأنهض وأتعلم وأدعو الله أن تتوجَ أمنياتي كالعروس في دار الخلود فلن أجدَ راحتي إلا في إيماني بأن كثرة الدعاء هي خير ما نستعينُ به إن دهمنا همٌّ أو حزنٌ أو حسرة أو ألم فوعي الإنسان -مهما كان نافذ البصيرة- محدود، وتأكيداته وجزمُهُ بالخير ليس قطعيًّا، ولهذا فربما كان الخير فيما لا يبدو لنا في الحاضر خيرًّا، "وعسى أن تكرهوا شيئًّا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا".

ربنا كريم، ربما استجابَ لدعاء امرأة تتخبطُ مثليّ، لكن في أعماقها رغبةً صادقة في الخير، وهي تأمل أن يرزقها الله قلبًا مخلصًا، وروحًا تقية، وحياةً تعيشها بكل تفاصيلها حتى إن حانت الخاتمةً لا تستدرَّ العطفَ والشفقة ولا تنوح مع النائحين.

وكبدايةٍ النهاية ولأنَ هافينغتون بوست منصة مدونات أبعد من أن تكون منصةً للأفكار الثقيلة فيمكنني القول الأن ، أنهُ نعم أنا لستُ عظيمةً، وفيما يبدو أنني لن أكون كذلك لا على المدى البعيد ولا القريب، وليس في ذلك ما يدعو للاستغراب، لأنني أعلم من نفسي ما لا يعلمه غيري، وأظن بأن من العظمة أن تعترف بقصورك، بعد الوعي به، وفهم منابعه ومغذياته، فالقصورُ جزء من تكويننا، لكنه ربما يخفى عنا، ويلتبس فلا نراه، فمن عثرَ على عثراته ومثالبه، فهو محظوظ، ومن استطاع مداولتها فهو السعيد حقًّا..

فبعد أن اكتشفتُ العبدَ الضعيف جدًّا وَ العبد الجاهل وَ العبد المكابر عثرتُ على العبد الوهمي في داخلي، لكنيّ لم أمسك به بعد، فلا يزال هاربًا طليقًا في أنحائي، ربما برفقة عبيدٍ آخرين لم أتعرف عليهم بعد، ذاك الرقيق الذي يسكنني، والذي تعبثُ به الأهواء، ويموج بالشهوات، وتتلاعبُ به الفتن..

تبقى هي أضغاث أحلام أن أقبضَ على هؤلاء "العبيد السفلة" لكن مع ذلكَ لا أزال مادّةً عنقي، ولا تزال أكفُ الأيام ملئً بالقلائد فلا يمكنُ لمن كانت ذاته سجنًا كبيرًا لهؤلاء الأرقاء الآبقين أن يصف نفسَهُ أو يُوصف بـ"الكامل"، لكن ما أثار عجبي هو أنني لم أجد بينهم أَمَةً واحدة شريرة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.