المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حنان النبلي Headshot

في ذكرى رحيلك مولانا..هكذا علّمتني أن أحيا

تم النشر: تم التحديث:

في ذكرى رحيلك الـ743، لا تلين الكلمات ولا تُسعف العبارات، إنها سطوة البقاء الرمزي لمورد فكري وروحي خرقت حجبه المألوف وخرجت من أَسر العادة لتنير دروب المعرفة وتشحن كل متعطش إلى الطاقة الوجدانية والذخيرة الروحية الواسعة للانطلاق نحو الإبداع والفعل والتغيير.

قد لا أبالغ إذا قلت إن ما تركه "مولانا" لم يوفر أحد من المتصوفة مثيلاً له، زاد غني كان له عظيم الأثر في العالم الإسلامي، وخاصة على الثقافة الفارسية والعربية والأردية والبنغالية والتركية، كما حظيت أعماله المترجمة في العصر الحديث بشهرة كبيرة جداً؛ لأنها كانت -وستبقى- مرجعاً لكل سالك طريق المعرفة الذي هو نفسه طريق المحبة.

في مثل هذا اليوم، ترجّل "مولانا جَلَال الدِّين الرُّومي" عن صهوة الدنيا، وظلت الروح خالدة، بما سطّرته من مجد لم يكن زائفاً ولا هوساً فانياً؛ بل هو استغراق في التعلق بالله، من خلال تجربة غنية، بدأها بالفقه الإسلامي وبرع فيه، ثم ذاق حلاوة "التصوف" فترك التدريس والتصنيف وزهد واختار أن يتصوّف سنة 642 هـ.

كان للعلاقة القوية التي ربطته بالشاعر الفارسي شمس الدين التبريزي منذ قدومه إلى قونية عام 1244م، عظيم الأثر عليه، فكانا على قلب رجل واحد لا يفترقان إلا لتجمعهما المحبة، إلى أن امتدت يد الغدر إليه واغتيل سنة 1248م، تاركاً "مولانا" في حزن كبير على صاحبه الذي نظم فيه أشعاراً جُمعت في ديوان "شمس الدين التبريزى أو الديوان الكبير".

آمن "مولانا" الرومي بالتوحيد مع حبه لله عز وجل، هذا الحب الذي يبتعد عن الإنسان، والإنسان في مهمة إيجاده والعودة إليه؛ لأن "الحياة أقصر من شهقة وزفيرها.. فلا يجب أن تغرس بها سوى بذور المحبة".

كانت ثلاثية "الذكر والشعر والموسيقى" مفتاح "مولانا" للوصول إلى المعرفة الإلهية، فبالذكر يحيا القلب، وبالشعر يتهذب، وبالموسيقى يعرف المُريد الله، يفنى ثم يعود إلى الواقع بشكل مختلف كأنه في رحلة تصاعدية من خلال النفْس والمحبة للوصول إلى الكمال، والرحلة تبدأ من الدوران حيث تكبر المحبة في الإنسان فتخفُت أنانيته ليجد طريق الوصول إلى الكمال، وحين يعود إلى الواقع يعود بنضج أكبر ممتلِئاً بالمحبة، ليكون خادماً لغيره من البشر دون تمييز أو مصلحة ذاتية.

وإذا كان العامة يتوقفون عند سطح المعاني التي خرجت من بحار التجربة والزهد في الدنيا دون الغوص فيما تكتنزه من أسرار، فإن أهل الله فكّكوها وتوقّفوا طويلاً عند شيفراتها.

ولعل المحبة عند مولانا هي المبتدأ والمنتهى، هي الحقيقة الجوهرية الساطعة التي تنغرس في النفوس فتجعلها متفاوتة في محراب المحبة. إنها موجودة فينا وحولنا، أو بعبارة أخرى إنها تذكرة الحياة والعصا السحرية التي تملك أن تصنع لك التغيير، وترسم لك طريقاً يؤسسه العشق ليزهر من تلقاء نفسه بإرادة مستقلة، فالعشق لا يمكن أن يكتسب أو يُلقن.

هكذا، تتحدد القيمة الحقيقية فيتسلل النور إلى الباطن، وينجح العاشق في كسر الحواجز التي كانت قد بُنيت بينه وبين نفسه.

كما نجد مولانا يعلنها واضحة قوية حينما يقول: "أيها القلب، لماذا أنت أسير لهذا الهيكل الترابي الزائل؟! ألا فلتنطلق خارج تلك الحظيرة، فإنك طائر من عالم الروح... إنك رفيق خلوة الدلال، والمقيم وراء ستر الأسرار، فكيف تجعل مقامك في هذا القرار الفاني؟َ! انظر إلى حالك واخرج منها وارتحل من حبس عالم الصورة إلى مروج عالم المعاني... إنك طائر العالم القدسي، نديم المجلس الأنسي، فمن الحَيْف أن تظل باقياً في هذا المقام!".

إنه منهاج الحياة الذي قدّمه مولانا إلى كل العشاق والمحبين المتعطشين إلى الحياة، مترفعاً عن الصور والأشكال وثقافة الترف المادية التي أفرغت الكائن الإنساني من سائر أبعاده الإيمانية إلى سبر أغواره النفسية والذوقية والجمالية بمقتضى الإيمان، "فذابوا كالملح لم يبقَ كفر ولا إيمان.. شك ولا يقين.. تشع قلوبهم كوكباً تختبئ فيه السبع سماوات".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.