المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حنان كمال  Headshot

عبدالناصر في مرآة السيسي

تم النشر: تم التحديث:

كان أبي يحب عبدالناصر، وأمي أيضا أحبت الرجل، كل أقاربي تقريبا، جيراننا كذلك، مدرسو المدرسة وأمناء المكتبة، كان طبيعيا أن أرث هذه المحبة، حين كبرت قليلا كبرت الأسئلة أيضا، حينما كان يأتي سؤال الحريات، كنا ببساطة نغض الطرف، أو نعتذر، في تحليلات سطحية تتعلل بالظرف الموضوعي والتاريخي والمعركة الوطنية، كنا صغارا، مفتونين بالتحليلات.

ربما لو لم يستعر الرئيس السيسي التجربة القمعية للستينيات، ربما لو لم نعاين بأيدينا الدولة البوليسية كواقع حقيقي معيش لما أدركنا أن ما كنا نتجاوز عنه في الروايات المحكية والتاريخية، وما كنا نغض الطرف عنه بالتحليلات الكبرى هو أخطر بكثير، إنه حقيقي وحي، من لحم ودم ويتنفس، إنه شيء يتعلق بالإنسان، هذا ما لم ندركه خلال ولهنا بالتحليلات المعلبة والجاهزة.

فهلا كشفنا الغطاء وأدركنا أخيرا أن المعتقلين الذين كنا نتجاوز عن اعتقالهم هم بشر، حيوات تنتهي في ظلام السجن، أو فيما يسمونه، وراء الشمس، حيوات تموت خلف الحياة، فهلا عرفنا أخيرا أن فيهم من يغادر أسرته، يحرم من لمسة وليده الصغير، وأن أبناءهم يكبرون يوما بعد يوم بلا أب، أو بلا أم، ربما لو لم يكن لنا رفاق وزملاء وأصدقاء في محبس السيسي اليوم لما أدركنا حقا أن خلف تحليلاتنا الكبرى وظروف الوطن وصوت المعركة يكمن بشر تعفنت حيواتهم في ظلام السجن والقمع، وأن تلك الحيوات أطهر كثيرا وأقدس من الزعيم الملهم، أقدس من الوطن، أقدس من المعارك الكبيرة التي يخوضها.

تذكر وأنت تدافع عن الزعيم الملهم أن ثمة من يفقدون أرواحهم وحيواتهم في سجونه وأنهم يستحقون العدالة أكثر.
حتى الوطن صار يستحق إعادة نظر، العالم واسع جدا لكن هؤلاء الفقراء المطحونين الذين يخرجون في تظاهرات مؤيدة يحملون اعلام الوطن بيد وصورة الزعيم بالأخرى، ينزعون الوطنية عمن يشاؤون من معارضي الزعيم، يباركون عمليات القمع والتنكيل، لا يدركون أن للوطن أشكالا ومعاني أخرى.

لا يعلمون أن على الضفاف الأخرى للعالم الواسع بشرا تقدموا كثيرا وتركونا خلفهم نسبح بحمد الزعيم، مؤيدو الزعيم لا يطمحون لتنمية حقيقية لأنهم لا يعرفونها أصلا ولا يدركون أن ثمة مسافات من العلم والمعرفة قطعها العالم ونحن نائمون في حضن الزعيم الملهم.

أي وطن هذا الذي تم اختزاله ليصير على مقاس العسكري الملهم ونظرياته حول الوطن والحضن والحب وما شابه من تعابير عاطفية تصور أن ثمة كيانا هلاميا كبيرا اسمه الوطن نحن مطالبون بحقوق تجاهه؟

بينما يتجاهلون أن ثمة حقوقا من هذا الهلامي الكبير تجاه الأفراد المواطنين، كل شيء يتجاهل الإنسان الفرد في هذه التجربة، وتلك هي مأساتها.

في أوقات كثيرة أشفق على عبد الناصر، أتخيله قد اكتشف أخيرا أن الزمن يمضي وأنه يشيخ، أن ثمانية عشر عاما في السلطة لم تمكنه من إنجاز كل ما حلم به، كان يسابق الزمن، حتى أنه حول الوطن إلى صوبة صناعية لتحقيق الإنجازات بعيدا عن الظروف الطبيعية (الديمقراطية).

كان الفاعل الوحيد لأنه اعتقد أنه هو الوحيد الذي يستطيع أن يقود القطار بالسرعة التي تمكنه من الإنجاز، في لحظة النهاية ربما حزن عبد الناصر كثيرا؛ لأنه لم يعد هناك مزيد من الوقت ليكمل الجهد الذي بدأه، ربما ناشد الله أن يمنحه المزيد من العمر، ربما قرر فجأة أن يعيد المسار وأن يعطي تقديرا أكبر للديمقراطية، لكن بعد فوات الأوان.

هل أدرك عبد الناصر أخيرا أن الإنجازات التي تتم في صوبات الديكتاتورية المغلقة مآلها إلى العدم، أين هي إنجازات عبد الناصر الآن؟ ذابت وكأنها جليد أشرقت عليه شمس الصباح، هل أدرك عبد الناصر أن كل حياة الزعيم الملهم لا تكفي لإنجاز أحلام الأوطان، مهما منحه الله من العمر، سيظل ما يريده الوطن أكبر وأعمق، الوطن يريد أعمارا متتابعة، يريد أفكارا متنوعة، يريد جدلا في الأفكار وتفاعلا، ببساطة الوطن يريد ديمقراطية، هل أدرك عبد الناصر هذا في غفوته الأخيرة، ربما يكون أدركه حقا لكننا وياللعجب لم ندركه وها نحن نعيد إنتاج ديكتاتورية الستينيات بلا عبد الناصر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.