المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حنان حجاج Headshot

150 متراً من الحرية يقف الأمن على مداخلها

تم النشر: تم التحديث:

150 متراً فقط هي مساحة الحرية التي حددتها لنا وزارة الداخلية لنمارس فيها نحن الصحفيين حقنا في الهتاف، بين ناصية شارع عبدالخالق ثروت وناصية شارع شامبليون، مساحة رغم ضيقها كانت مليئة بالأحرار، بينما كانت الحواف يحتلها أعداء الحرية والمواطنون الشرفاء.

على ناصية الشارع - الذي يحمل بالمناسبة اسم وزير داخلية ورئيس وزراء أسبق منذ عهد الملكية - كان المشهد في الصباح الباكر موحياً بيوم ثقيل يمتلئ بكثير من التخوفات من البلطجية الحاضرين بقوة والصحفيين المحايدين الذين ربما يخذلون نقابتهم بحضور ضعيف تنبأت به أبواق "شرفاء" آخرين لطالما كانوا ضد كل صوت زاعق بالحرية.

كانت تخوّفات الصباح الباكر عند مروري بالمكان مقلقة حتى جاءت شمس الظهيرة مفعمة بالأمل والوفود التي لم تثنها مضايقات رجال الأمن على المتاريس الحديدية وتفتيش الحقائب باستفزاز غريب ومطالعة كارنيه النقابة، وكأنهم يبحثون فيه عما هو غير معتادٍ ولا نعرفه نحن حاملوه، بينما في الخلفية أصوات "المواطنين الشرفاء" (بلطجية هذا الزمان) تلعن الصحفيين العملاء الخونة، دقائق ثقيلة تنفرج بعدها حدود المساحة الممتدة بين الحاجزين وتتسع حتى تلتحم بالأفق فتصير برحابة الأرض والسماء.

هنا مساحتنا تحتضن الهتافات المطالبة بالحرية لآلاف من أبناء المهنة المرهقة الباحثة عن المتاعب، يجمعهم مبنى نقابة الصحفيين ويضيق بهم رغم ضخامته، وجوه أساتذتنا الذين تحمّلوا مشقة الحضور، ووجوه شابة طغت بحيويتها وحماسها على المشهد بكامله.

صوتهم كان الأعلى وهتافاتهم كانت الأكثر حيوية وابتكاراً. ضحكت زميلة كانت تقف بجواري وهي تنظر للمصور الشاب وقد تسلق شجرة أمام النقابة ليلتقط بعدسته صوراً أكثر وضوحاً ومن زاوية مختلفة.. كانت مساحتنا الضيقة أكثر رحابة من مساحة الوطن الذي بات حاكموه لا يتحملون حتى حروف الكلمة الأربع..(ح ر ي ة)، وكانت الكلمة هي الهتاف الأقوى.

خلف المتاريس الحديدية كان المشهد مختلفاً تماماً، وجوه معتادة لبلطجية طالما ترددوا على الشارع الأعلى صوتاً منذ عام 2005 عندما كان ظهورهم الأول في مواجهة مظاهرات حركة كفاية وأحرار النقابة ونادي القضاة، شاخت الوجوه القديمة وجاءت وجوه جديدة أكثر شباباً، وبالتأكيد أعلى سعراً بحكم تطور الزمن وغلاء الأسعار، أعلام مصر وصور "الزعيم" والشعار الوطني الذي لابد أن يتكرر ثلاثاً، بينما سيارات نصف نقل تحمل أجهزة صوت قوية وعالية جداً تذيع أغاني المرحلة بصوت حسين الجسمي، عبث التلويح بالأعلام وبأوراق النقود وحركات الأصابع بدلالتها الوقحة في وجه المصورين.

محاولات الأمن اختطاف وجوه بعينها من شباب الصحفيين وعودة الصحفي أحمد سمير بعد إنقاذ أصدقائه له، ثم الاعتداء على الصحفي خالد داود وضربه بوحشية، التحرش بصحفيتين شابتين على يد بلطجيات المتاريس وإنقاذ الشباب لهما، بقع سوداء على حافة البهجة المعجونة بالأمل بعد بيان الجمعية العمومية القوي.

كانت الأمتار الـ150 وحافتاها الأمنيتان مساحة كاشفة تماماً لوضع مدهش نعيشه الآن، بين مدافعين عن الحرية ولاعنين لها، بين تاريخ من النضال وتاريخ من القمع، بين مستقبل يحارب بسنّ قلمه ليشق طريقاً للنور وحاضر يضع متاريس يرغب في أن يسد بها عين الشمس.

وبينما كانت خلف الحاجز فتاة ترقص على موسيقى أغنية شديدة الفجاجة والصخب كانت هناك فتاة أخرى في نفس عمرها يُحكم عليها بالسجن 6 أشهر لأنها رفضت الكلام أمام محقق يتهمها بتهمة وهمية تفوق كل قدرات عقلها الناضج على قبولها.

وفي نهاية اليوم كانت سناء سيف تكتب رسالتها الموجعة، مطالبة الجميع بتركها تُسجن بلا مقاومة، بينما المواطنة الراقصة تتلقى ورقة مالية بما تبقى لها من أجر، ونحن الصحفيات نتوارى بين زملائنا الرجال لنضمن خروجاً آمناً من مساحة حريتنا دون أن تطالنا أيادي نساء البلطجية وألسنتهم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.