المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حنان حجاج Headshot

عن الكراهية التي تحرر النساء

تم النشر: تم التحديث:

..عن جداتنا اللاتي لم يخبرننا أن الصبر مفتاح الألم

"لابد من الكراهية.. الكراهية مفتاح القضية"..

قالتها وكأنها تتلو نصًّا من كتاب مقدس -هو نص بالفعل من قانون الأحوال الشخصية- أدركت وقتها لماذا كانت تلك الغرفة مزدحمة جدا رغم أنها لم يكن بها أحد سوانا، كانت الغرفة ممتلئة بقصص الكراهية وأرواح هائمة لنساء مقهورات كارهات جئن يبحثن عن الخلاص، كانت الكراهية تملأ المكان حتى سقفه..

في المساحة الرمادية بين المحبة والكراهية تعيش ملايين النساء، يقدمن لأنفسهن ألف مبرر يسمح لهن باستمرار الحياة تحت سقف بيوت الستر، وظلال الرجال التي ليست أفضل كثيرا ولا أكثر دفئا من ظلال الحيطان، لكنها الكراهية عندما تأتي تحمل هذا التمرد الجامح على تلك الظلال وتدفع النساء دفعا لمساحة أخرى تحكمها قوانين الكراهية المشروطة لتحقيق الخلاص.

من الخارج يبدو المكان فخما.. بناء حديث وسلالم رخامية.. وما إن تمر من الباب وتدخل يبدو البؤس جليا بكل تفاصيله تماما كتلك البيوت الزائفة بسكانها التعساء. نساء من جميع الأعمار، محامون بسطاء بحقائب سوداء دائما يقدمون نصائحهم الأخيرة للمنتظرات قبل الدخول لغرفة الإخصائيين الأسريين.

في الحجرة المزدحمة بالقصص، وفي الركن الضيق انكمشت بين مكتبين بردائها الأسود البسيط تحمل طفلا صغيرا ملفوفا في بطانية قديمة تجيب عن الأسئلة في هدوء من تركت الدنيا خلفها وتستعد للقفز لعالم مجهول تحكي عن أربعة أطفال أكبرهم في العاشرة وأصغرهم عمره ثلاثة أشهر فقط، لا تريد شيئا سوى الخُلع.

لم تعد ترغب في الحياة معه، لا تعمل، وليس لديها مصدر دخل ثابت، تسألها الموظفة التي امتلأ وجهها بمساحيق التجميل الرخيصة "أنتِ متأكدة إنك عاوزة تخلعيه؟" ترد المرأة البسيطة بإصرار ولمعة غريبة تخرج من عينيها "متأكدة، لا يمكن أن أعيش معه يتعاطى المخدرات ويضربني أنا والعيال، أضطر للعمل في البيوت لأطعمه وأطعم أولادي ثم أكتشف أنه متزوج من أخرى"..

"هل تكرهينه ولا تطيقين الحياة معه؟" ترد المرأة بسرعة "أكرهه طبعا"..
تتحول المرأة البسيطة فجأة لكائن يكسر بكلماته كل قواعد لعبة البيوت التي تعيش في الظلال الرمادية، الكراهية تصنع تلك الحالة من الشجاعة المفرطة لدى النساء تحولهن من كائن مكسور الجناح يحتفي المجتمع بضعفه واستكانته لنسر جارح لا يملك سوى أن يشرع مخالبه في وجه الجميع لا رادَّ للألم والإهانة والشعور بالقهر سوى الكراهية..

هكذا تجني أياديكم ما زرعتموه في نفوسهن المكسورة بأنوثتها ورقتها وحيائها. تلك القوالب التي وضعت فيها النساء منذ لحظة الميلاد حتى يأتي زوج ليحتفي بالهدية التي وضعت في صندوقها المزخرف وقدمت له ليكمل القولبة، ولا يدرك أن جذور القهر تنبت شجرة الكراهية التي ستجد طرقها يوما للخروج من ذلك الصندوق بعد أن تحطمه.

كانت قبضة "الملاكم" التي شكلتها يده منذ اللحظة الأولى لجلوسهما متقابلين في المكتب نفسه توحي بما كان يحدث قبل أربعة أشهر عندما تركت بيته، لم تأخذ في يدها سوى كف صغيرها تسحبه بفزع من أن يكتشف الزوج أنها تترك بيته وتهرب بطفلهما، يتواجهان بعد الشهور الأربعة هي بوجهها الهادئ وعينيها الممتلئة بالدموع والفزع وهو متقمصا دور الزوج العاقل الذي يطلب منها العودة للحياة..

تبدأ الانهيار تحت وطأة الأسئلة وقهر الانطباعات عن الرجل الطيب الذي يرغب في الحفاظ على البيت ورؤية ابنه الذي تمنعه من رؤيته كسيناريو فيلم عربي قديم رسمه محام محترف..

فجأة تنفجر كل براكين الكراهية من المرأة الباكية تحكي عن كدمات ما زالت باقية على جسدها رغم مرور الشهور على حفلات الضرب اليومية التي تمارس عليها كطقس ثابت من زوج يكبرها بما يقارب العشرين عاما أرمل ماتت زوجته السابقة قهرا وتزوجته هي بحكم القرابة والستر لفتاة صغيرة يختطفها أول عريس..

اثنا عشر عاما من الضرب والإهانة والغيرة التي كانت تحاكم بقوانينها كل يوم وتقع عليها العقوبة بينما لا توجد جريمة ارتكبتها أصلا.. صرخت، انهمرت الدموع، تحكي عن آلام روحها وجسدها التي لم تندمل عن الكراهية التي صارت تحرق روحها وكأنها جحيمها الأبدي.

تكره المرأة وتُحترق بكراهيتها.. تصبح الكراهية جحيمها الآخر، تصبح اللكمات والإهانات لا شيء، مجرد تكرار باهت لألم صار معتادا.. ألم لا يقارن بهذا الجحيم المقيم للكراهية. ربما هي من المرات القليلة المدهشة التي يعرف فيها واضعو القوانين أن الكراهية وسيلة للخلاص، وأنها شرط يكفي للتحرر..

كان المجتمع يسخر من نساء الساطور والأكياس البلاستيك ويحذرون الرجال منهن، لم يسأل أحد لماذا تصل المرأة لهذه الدرجة من العنف الصارخ، رغم أن جميع المتهمات كن يقدمن الإجابة بسيطة ومباشرة "كنت أكرهه" لكن المحللين النفسيين وكتاب المقالات كانوا يتعاملون بمنتهى التعالي على هذه الحقيقة ويبحثون فيما وراءها.. وهل بعد الكراهية شيء؟! هي الحافة التي لا مساحة حركة بعدها ولا مجال للمفاوضة مع الذات..

3- ربما بحكم الثقافة والوعي أدركت أنها على أولى عتبات الجحيم، قررت أن تهرب سريعا قبل أن تلمس قدماها النيران كان قرارها حاسما، لكن الجميع دهشوا من تلك المرأة التي تهدم بيتا هادئا وحياة مستقرة.. قدمت حكايات عن خلافات يومية لا تنتهي وشهور من الخصام المتكرر عن استنزافها إنسانيا وماديا، بعض التعاطف هو نفسه كل مرة، كثير من النصائح بالدعوات بصلاح الحال والحكايات عن زوجات يعشن معاناة أشد وطأة لكن الحياة تسير، فقط اصبري..

على العتبة الأولى للكراهية توقفت تجتر أسئلة عامين من التردد، وهل الجحيم قدر وهل الكراهية يمكن أن يعالجها الصبر
في الغرفة المزدحمة بأرواح النساء الكارهات وقصصهن المؤلمة.. سألتها المختصة "وهل تكرهينه؟" وبهدوء عظيم كان الرد لا أكرهه وهل يجب أن أكره؟!

"هكذا يقول القانون الكراهية شرط للخلاص.. سأكتب أنك تكرهين الحياة معه".

قالوا لنا إن للمحبة شروطا لكنهم لم يخبرونا ما هي شروط الكراهية لنتجنبها.
قالوا لنا إن للمحبة طعما جميلا ولم يقولوا لنا إن للكراهية كل هذا المرار والألم.

لم يخبرونا أن النساء وحدهن من كتب عليهن أن يقتتن الكراهية في صمت أو يتمردن عليها بشجاعة لا تقدر عليها أغلب النساء.

قالت لنا جداتنا إن الصبر مفتاح الفرج ولم يخبرننا أن الصبر قد يكون بابا للجحيم حيث تعيش الصابرات..
قيل لنا إن الرجال قوامون بما أنفقوا ولم يقولوا لنا إن النساء معذبات بما كرهن.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.