المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هناء هنتور Headshot

وسادة أحلام

تم النشر: تم التحديث:

مَن منا لم يغمض عينيه ليلاً على وسادة أحلامه البعيدة وآماله اللامتناهية؟ مَن منا لم يفكر بالمستقبل؟ لم ينسج أحداثه ولم يتساءل عما يخبئه له؟

نعيش اليوم وأذهاننا لا تتوقف عن التخمين بالغد، عقولنا تبحث دائماً لمعرفة ما هو آتٍ؛ لهذا لا نعيش اللحظات ونستغلها حق استغلال، لا نعطيها حقها ولا نمدها بكل أحاسيسنا، فنعيش نصفها، ونستغني عن النصف الآخر بكل سهولة، كأنه لا يهمنا، ولا يعنينا، كل هذا لأننا نشغل أنفسنا بلحظات أخرى آتية لا محالة، فتنشق عنا أنفسنا برغبة أو بدون رغبة، وتنقسم أذهاننا، فتميل الأولى لما نعيشه اليوم، والأخرى لما سنعايشه غداً.

نعم، سيكون المستقبل حافلاً بالمفاجآت، مليئاً بلحظات الفرح، ولا يخلو أبداً من لحظات الحزن، يملأ قلوبنا سعادة تارةً ويخيب ظنوننا تارةً أخرى، نسعى فيه لتحقيق ذواتنا فننجح مرةً ونخيب مرةً، تتعلق أقدارنا فيه بخياراتنا أو بأشخاص تلاقينا معهم صدف الطريق، فتمزج الأقدار معاً تماماً كما تنسج خيوط الحرير؛ لتهدينا قطعة القماش تلك، فلا نعلم ولا أحد يعلم إن كنا سنترافق أو نتفارق.

تتناثر منا ذواتنا بين يوم يمضي وآخر يأتي نحمل همومه، كأننا فقدنا الثقة بمن سيّره ويسّره، وآخر يمضي لا نستغله؛ لأننا نتشاغل عنه بالغد المجهول..فنمضي ولكن لا نمضي.

إن القلق من المجهول يجعل الحاضر بلا سعادة، والغد بلا أمل، فيصبح كابوساً مظلماً نحمل همومه قبل أن ندركه، ونغوص في أحداثه قبل أن نعرفها، ويغدو المستقبل ركيكاً يستمد ضعفه من خوفنا وقلقنا، فتصير صورته في أذهاننا أكثر تشويشاً، بلا رؤية، وخالية تماماً من البصيرة.

قبل التفكير بالمستقبل يجب أن ندرك أهمية اللحظات التي نعايشها اليوم، فما يفوق الغد أهمية هو تقبّل الحاضر بجوانبه السيئة قبل الجيدة، والعمل على تطوير نواقصه، فيصبح للاستمرارية معنى لا يتعلق بالقوة، بل بالجرأة، فالقدرة على الاستمرار لا تعني بالضرورة أننا الأقوى، ولا يتعلق الأمر أيضاً بالجدارة على الإطلاق، بل ربما كلما زاد فهمنا وإدراكنا للأشياء غدونا أكثر رعباً من غد مجهول نبحث فيه عن ظاهر الوقائع، وليس باطنها، ولو تعمقنا أكثر لفهمنا أن الحكمة لا ندركها قبل وقوع الأحداث، بل بعدها، ولهذا يتوجب علينا أن نولي أهمية كبيرة للحاضر، فما المستقبل إلا مرآة تعكس وبصورة واضحة تصرفات الماضي.

كفانا قلقاً من غدٍ آتٍ يحمل الله في طياته النور الذي لم نكن ندرك وجوده، فتنار به الدروب، وتشتت به عتمة طريق أنهكه الظلام، فتمتلئ تلك الدروب ونمتلئ معها بنور اليقين.. ولهذا دعونا نعيش اليوم ونحن على يقين أن الآمال تمحو الآلام، وأن الثقة تستأصل الارتياب، والغد سيأتي حاملاً معه الأجمل والأفضل.

وتيقّنوا أن عظمة كل إنسان تكمن في قدرته على تحدي وتخطّي الشباك التي تنصبها له الأيام، وهي تحاول أن تحول بينه وبين القدر الذي يسعى إليه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.