المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حمزة خليل Headshot

دم عربي ينزف في مكان ما

تم النشر: تم التحديث:

"وتسأل: ما معنى كلمة وطن؟
سيقولون: هو البيت، وشجرة التوت، وقن الدجاج، وقفير النحل، ورائحة الخبز والسماء الأولى.
وتسأل: هل تتسع كلمة واحدة من ثلاثة أحرف لكل هذه المحتويات، وتضيق بنا؟" محمود درويش، في حضرة الغياب.

لو استطاعت أوطاننا الكلام فماذا ستقول؟ فدائماً أوطاننا هي المنطقة المشتعلة في العالم، هي ساحة المعركة، هي الأقل حظاً، والأكثر وجعاً، هي حديث الساعة في كل ساعة، فما هو حديثها هي؟

لا أذكر أنني شهدت يوماً هادئاً على عالمنا العربي، فدائماً في كل يوم هناك مكان يتعرض لأبشع أنواع الحروب وأبشع أنواع اللاإنسانية، فأصبحنا ننام على حرب ونستيقظ على أخرى، فالحرب تتمدد وتكبر أكثر وأكثر كل يوم، وتصل لمدن جديدة لتهدمها، وقرى صغيرة تعيسة الحال أساساً ليست بحاجة لهم زيادة على همها، هذه الحروب التي تشبه النار تماماً، تأكل كل ما يعترض طريقها.

دائماً هناك دمٌ عربي ينزف في مكان ما، يقولون إن هذا الدم مقدم في سبيل الوطن، ولكن هل الوطن بحاجة لهذه الدماء؟ هل الوطن بحاجة لهذا الكم الهائل من الدماء؟ هل الوطن حقاً بحاجة لدماء الأبرياء؟ هل الوطن بحاجة لأخذ آباء من الأبناء؟ هل الوطن بحاجة لأن تحرم أمهات من أبنائهن؟ هل طلب الوطن منا كل هذه الدماء؟ فهل سألنا الوطن عما يريده منا حقاً؟

أصبح الموت لسبب ودون سبب، أصبح في كل مكان وأي مكان، أصبح في الأيام العادية والأعياد، أصبح يعارض الصغير والكبير، المتورط وغير المتورط، من له ذنب ومن ليس له ذنب، فأصبح وجعاً بلا معنى.

أصبحت الجثث لا تتسع المقابر لكثرتها، غير معروف لماذا قُتلت، غير معروف ممن قتلت، فأصبح كل مكان مقبرة.

ومقابل هذه الدماء هناك عيونٌ تذرف الدموع، تذرف قطرات من الدموع مساوية لقطرات الدماء التي تسقط، فتحولت عيون الكثيرين من العرب إلى منابع من الدموع التي لا تجف.

أصبحت الحرب نمط حياة يعيشه الكثير من العرب في حياتهم اليومية، فأصبحت حياتنا اليومية مرتبطة بشيء نسميه الحرب، أصبحنا نقوم بكل شيء بالإضافة إلى الحرب، فأصبحنا نعيش حياة بنكهة الحرب.

الحرب موجودة في ذكريات أجدادنا وذكريات آبائنا، والآن موجودة في حاضرنا وتسجل في ذكرياتنا، فأصبحت الحرب وكأنها إرث يُنقل من جيل لجيل، إرث من الواضح أنه لا يتركنا، لعنة حلَّت علينا.

فعندما يجلس الجد مع أحفاده والأب مع أبنائه فإنه لا يملك قصصاً مثيرة أكثر من الحرب ليقصَّها عليهم.

أؤمن بأن منطقتنا خُلقت للسلام، خُلقت لتكون خالية من النزاعات، لتكون مثالاً للسلام، فنحن نملك القدس، والشام، وبغداد، واليمن، مُدننا لا تستحق غير السلام، فبأي ذنب دُمرت؟ بأي ذنب حُرقت؟ بأي ذنب اغتُصبت؟ وبأي ذنب أصبحت أرضاً للإرهاب؟

هل السلام صعب المنال لهذه الدرجة.. أن نعيش يوماً واحداً فقط دون حرب، دون قتل، دون دماء، دون فقدان، دون دمار، دون بكاء، ودون ألم؟!

لماذا لا يُخصص في هذا العالم مكان بعيد عن البشر، وبعيد عن الحياة الإنسانية، يكون للمجرمين ومهووسي الحرب فقط ليمارسوا فيه هوايتهم الحقيرة؟

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.