المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حمزة خليل Headshot

دعونا نعيش لنهاية خالية من الندم

تم النشر: تم التحديث:

"أيها القلب.. لماذا أنت أسير لهذا الهيكل الترابي الزائل؟ ألا فلتنطلق خارج تلك الحظيرة، فإنك طائر من عالم الروح.. إنك رفيق خلوة الدلال، والمقيم وراء ستر الأسرار، فكيف تجعل مقامك في هذا القرار الفاني؟ انظر إلى حالك واخرج منها وارتحل من حبس عالم الصورة إلى مروج عالم المعاني، إنك طائر العالم القدسي، نديم المجلس الأنسي، فمن الحيف أن تظل باقياً في هذا المقام" جلال الدين الرومي.

دعونا لا نصل لمرحلة الندم على ما فات، دعونا عندما نرحل من هذه الدنيا لا نتمنى أن نعيشها مجدداً؛ لتنتهي حياتنا كاملة، لتنتهي غير ناقصة، لتنتهي كما ينبغي، على أكمل وجه، لتنتهي وقد عشنا ما نريد، أين ما نريد، ومع من نريد.

دعونا لا نتمنى أن نعود في الزمن لنعيش لحظات، لحظات قد فاتتنا، لحظات قد ظننا أنها ليست مهمة، ولحظات قد خسرناها، دعونا لا نتمنى عودة شخص كان طوال الوقت معنا ولم نُقدر ذلك، دعونا لا نتمنى عودتنا لأشخاص كنا قد منعنا أنفسنا من وجودنا معهم، دعونا نعيش بالقرب ممن نحب، نلتقي بهم وقت ما نشاء، دعونا لا نتمنى لو أننا ذهبنا لأماكن كنا قد ظننا أنها بعيدة أو الوصول إليها كان مستحيلاً، فلنخرج ونكتشف؛ لنعيش دون خوف، دون خوف من الجديد، دون خوف من المجهول، دون خوف من التغيير، دون خوف من الجنون؛ لنقوم بتجربة كل شيء لا نعرفه.

دعونا نعيش كل لحظة وكأنها أول لحظة وآخر لحظة في حياتنا، لنكرر ذلك الشعور المميز الذي لا يتكرر عند القيام بأي شيء لأول مرة في كل مرة، دعونا نعيش كل لحظة وكأنها لن تتكرر، لنعيشها باستغلال، وكأنها لن تحصل مجدداً، لنلتقي بمن نحب كأننا نلتقي بهم لأول مرة؛ لنقول كلمة الحب كأننا نعترف بها لأول مرة؛ لننظر بعيون عاشق لامعة للأبد.

لنمشي في شوارع مدينتنا وكأننا نمشي في مكان جديد نتعرف عليه لأول مرة؛ لنتعرف على الشوارع؛ لنتعرف على الأرصفة؛ لنتعرف على الورد المتسلق على الأسوار.

لنمشي في الشوارع ونستغني عن السيارات؛ لنلتقي مع من نحب وجهاً لوجه لنجلس قُبالة بعضنا البعض؛ لنستغني عن الهواتف والرسائل؛ لنلغي جميع الحواجز الوهمية بيننا وبين الحياة.

لنشعر بمن نحب؛ لنشعر بهم قربنا؛ لنشعر بروحهم حولنا؛ لنحضن من نحب كأننا نعيش لحظة الوداع للأبد؛ لنُقبل من نحب وكأننا لن نلمس بعضنا البعض مجدداً؛ لنقبل أيدي أمهاتنا، آبائنا، جداتنا، أجدادنا وأطفالنا؛ لنعبر عن حبنا حتى آخر رمق؛ لنتكلم عن أدق التفاصيل في مشاعرنا تجاه الآخرين، دعونا لا نبخل في مشاعرنا؛ لنعطي الآخرين مما نملك؛ لنترك فيهم القليل منا لكي لا ينسونا.

لنبحث عن السعادة، السعادة الحقيقية، السعادة المطلقة، وأن لا نخاف من الحزن، أن نؤمن بأن الحزن زائل، والفرح دائم، لنعيش ما في داخلنا تماماً؛ لنصرح للعالم بما نشعر به دون خوف؛ لنعبر عن أنفسنا؛ لنفعل ما نشعر به دون التفكير بالعواقب؛ لنرقص تحت المطر في الشتاء دون التفكير بالزكام ولنركض على الشاطئ تحت أشعة الشمس في الصيف دون التفكير بالحروق الجلدية.

لنشاهد شروق الشمس وإن فاتنا فلنحرص على مشاهدة غروب الشمس، فلنتمعن في السماء والغيوم، فليأتِ آخر نهارنا ونحن مرهقون من التعب لكثرة أحداث يومنا، لنخلد للنوم متأخرين ونستيقظ مبكرين، لنستمتع بسهر الليل ونستمتع بزقزقة عصافير الصباح، لنعيش الفصول الأربعة دون التمييز بينها، لنشهد سقوط أوراق الشجر ونشهد تفتح الزهور.

لنتمسك بعاداتنا على الرغم من إزعاجها للآخرين فهي ما يعطي حياتنا نكهة، لنجعلها عادات مميزة، فدعونا لا نشغل أنفسنا بأن نغير من أنفسنا، فلنعش كما نريد نحن ليس كما يريد الآخرون.

فنحن راحلون في يوم ما، راحلون للأبد، تاركين كل شيء في هذه الدنيا، من نحب وما نحب، فلنسعَ لنهاية خالية من الندم، ولنُقدر لحظاتنا في هذه الحياة، لنُقدر مشاعرنا، لنُقدر ما في داخلنا ولنُقدر أنفسنا ومن نحب.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.