المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حمزة ياسين Headshot

عندما يمرض النجاح!

تم النشر: تم التحديث:

النجاح.. هذا المطلب البراق اللامع الذي يبحث عنه معظم الناس، والذي يطمح كل إنسان إلى أن يُكتب بجانب لقبه كلمة "ناجح"، وتُفنى لأجله الأوقات والأعمال وتُسترخص لأجله الأثمان والجهود.. هل يمكن أن يتحول إلى مرض؟ أو ينتقل من مرحلة ذهبية إلى حالة مَرضية؟

والجواب: نعم، فعندما يصبح النجاح مجرد شهوة ومطلباً بحد ذاته فقد يصبح مرضاً، وعندما لا يكون للنجاح أثر على النفس أو الروح أو المجتمع فقد يصبح حالة وهمية، والمرض قد يتفاقم إذا لم نعالج أعراضه، فيجد الإنسان نفسه قد حصل على النجاح في نهاية المطاف، لكنه لم يحصل على ثمار النجاح.

وحتى لا يتحول النجاح إلى حالة مَرضية، يجب الانتباه إلى عوارض النجاح؛ ومنها:

أولاً: الوقت
عندما تتركز معظم أوقاتنا على المجال المطلوب النجاح فيه دون الانتباه إلى الأوقات الأخرى المطلوبة منا، مثل أوقات الأسرة وأوقات ترويح النفس وأوقات الأصدقاء وأوقات العبادة- فهنا بدأ يتحول النجاح من حالة إشباع إلى حالة نهم وهوس. ومن الجدير ذكره أن معظم الناجحين إذا سُئلوا عن الأشياء التي يتندّمون عليها في حياتهم، يجيبونك بأنهم يتندَّمون على هذه الأوقات وعلى عدم التوازن فيها.

ثانياً: العلاقات الاجتماعية
عندما تصبح معظم علاقتنا الاجتماعية تتركز حول من يشاركوننا الاهتمام في مجال نجاحنا دون الاهتمام بالعلاقات الإنسانية بشكل عام أو بالمجالات الأخرى، فهنا بدأنا بحالة انعزالية ونخبوية غير محبّذة ومرغوبة، وحتى في النجاح فمطلوب بشدةٍ، تنويع العلاقات حتى نأخذ تغذية راجعة من جميع الطبقات ودون الوصول إلى حالة من الملل الاجتماعي.

ثالثاً: الإنجازات الوهمية
أكثر ما يدمر النجاح أن يصبح مجرد عداد للعد والحصر دون الانتباه للكمّ والعمق، وأن نبدأ بالبحث عن أي إنجازات لمجرد إشباع الرغبة وتحقيق الذات وحتى لو كانت إنجازات وهمية، فالإنسان يجب أن يدرك أنه ليس كل فترات العمر نجاحات وأن الحالة الطبيعية لعمر الإنسان تتفاوت ما بين مد وجزر ونجاح وفشل.

رابعاً: الأنانية
قد يُصاب الناجح بحالة من النرجسية تجعله ينظر أن النجاح مجرد احتكار خاص به، وقد تصيبه حالة من الغيرة إذا شاهد نجاحاً لأشخاص غيره، أو أن يدفعه نجاحه للتقليل من إنجازات غيره؛ لذلك على الناجح أن يبدأ بالتفكير في مفهوم النجاح الجماعي بعد النجاح الفردي، وأن يسعى لأن يكون هناك أشخاص ناجحون مثله؛ حتى يستمر النجاح وينتشر.

خامساً: نسيان المساعدين
كل إنسان ناجح، هناك من شارَكه وساعده في نجاحه، سواء كان هؤلاء المساعدون يرتبطون بصلة قرابة أم لا، أم كانوا صغاراً أو كباراً. وقد تتنوع هذه المساعدة ما بين مساعدة فنية أو اجتماعية أو نفسية، وقد ينسب الناجح نجاحه لنفسه وينسى من ساعده، أو تدفعه حالة النشوة لنجاحه إلى الإشارة إلى أن نجاحه كان بمجهوده فقط دون غيره.

سادساً: ما يطلبه الجمهور
قد تدفع حالة الشهرة التي تصيب الناجحين إلى ملاحقة رغبات الناس وطلباتهم ونسيان أهدافهم الشخصية وطموحاتهم؛ لذلك يجب أن يفكر الناجح في أن يكون هو من يقود الناس إلى حاله لا أن يقوده الناس إلى حالهم، وألا يسعى لتحقيق كل رغباتهم على حساب وقته وجهده وطموحاته، وأن تصبح الشهرة والشعبوية هدفاً متقدماً عن باقي أهدافه.

ولعلاج كثير من هذه العوارض، على الناجح أن تكون له فترات مراجعة دورية كل 6 أشهر أو سنة؛ لمراجعة مساره ومعالجة بعض السلبيات الطبيعية التي تظهر في أثناء مسيرته، وأن يمارس نوعاً من التقييم الذاتي والجماعي من خلال المقربين والمختصين، وأن يكون هناك حالة من التهذيب النفسي والروحي مرافِقة لحياة الناجح؛ حتى يكون نجاحه ملهِماً لغيره ودافعاً للناس للاقتداء به.

وفي النهاية، النجاح؛ أتمنى ألا يُفهم مقالي بطريقة معاكسة لما أردته وألا نطلب النجاح في حياتنا، فالنجاح غاية جميلة يسعى لها الإنسان، لكننا نطمح إلى أن نحول النجاح من مرحلة صماء إلى مرحلة رشيدة مستمرة .

دمتم في تقدم ونجاح.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.