المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حمزة تكين Headshot

إغاثة اللاجئين... ثقافة عثمانية تحييها تركيا الحديثة

تم النشر: تم التحديث:

وفق تصريح رسمي لمفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين، أنطونيو غوتيريش، قبل أيام، فإن تركيا تعتبر اليوم الدولة الأولى في العالم من حيث استضافة اللاجئين وتقديم الخدمات الضرورية لهم.

وأكد غوتيريش أن تركيا تستضيف حاليا أكثر من 4 ملايين و100 ألف لاجئ، من مختلف الجنسيات، وهو الرقم الأكبر، مقارنة مع الدول الأخرى، معظم هؤلاء اللاجئين من العراقيين والسوريين.

هذه الثقافة الإنسانية التي تظهرها تركيا، هي إحدى الموروثات العظيمة التي ورثتها عن الخلافة الإسلامية العثمانية الرائدة عبر التاريخ في هذا المجال، ثقافة لا تتمتع بها كبرى الدول التي تتشدق اليوم، في القرن الواحد والعشرين، بالإنسانية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

الفارق كبير بين تركيا التي ورثت الثقافة الإنسانية الحقيقة من تلك الخلافة التي كانت تضم تحت رايتها مختلف الأعراق والأديان والقوميات، يُعاملون بما أمرنا به إسلامنا الحنيف من حب وسلام وأخلاق وإنسانية، وبين تلك الدول في عصرنا، وخاصة الأوروبية، التي تعقد الاجتماعات المكثفة واللقاءات والمؤتمرات لتمنّ على حوالي 22 ألف لاجئ فقط.

فها هم وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي ودول منطقة الشنغن، يجتمعون ويتباحثون ويتشاورون ويتدارسون.. ليعلنوا في النهاية قبل أيام عن استعداد دولهم مجتمعة لاستضافة 22 ألفًا و504 لاجئين سوريين فقط.

هذا الرقم سيتوزع على الشكل التالي: النرويج 3 آلاف و500 لاجئ، فرنسا ألفان و375 لاجئ، بريطانيا ألفان و200 لاجئ، والباقون على الدول الأوروبية الأخرى، فيما رفضت المجر استقبال لاجئ واحد.

إذا أضفنا هذا العدد إلى عدد اللاجئين الموجودين حاليًّا في أوروبا وهو 32 ألفًا و256، سيصبح إجماله 54 ألفًا و760 لاجئ (تركيا وحدها أكثر من 4 ملايين).

هذه هي إنسانيتهم التي يتشدقون بها، يُشعلون الحروب في بلادنا ـ بأيدينا ـ ثم يُنظّرِون علينا بالإنسانية وحقوق الإنسان، ويَمنّون على الضعفاء والمظلومين باستقبال جزء بسيط جدا منهم.

ربما يقول قائل: تظل هذه الدول أفضل ولو بدرجة واحدة، من الكثير من الدول العربية والإسلامية التي نسيت أو تناست منهج نبيها عليه الصلاة والسلام يوم أن آخى بين المهاجرين من مكة المكرمة والأنصار في المدينة المنورة.

لقد كان الأولى بهذه الدول أن تحتضن هؤلاء المستضعفين والمهاجرين والمظلومين، ولكنها لم تفعل وسيسجل التاريخ ذلك، وعند الله لا يضيع مثال ذرة من خير أو شر.

كل هذه السياسات وأصحابها في كفة، وتركيا في كفة أخرى ـ بشهادة الأمم المتحدة وتقاريرها ـ فها هم المسؤولون الأتراك وعلى رأسهم رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان، ورئيس الحكومة رئيس حزب العدالة والتنمية أحمد داوود أوغلو، يؤكدون في كل مناسبة أن سياسة تركيا في فتح أبوابها، هي لكافة المظلومين في العالم، دون السؤال عن دينهم أو هويتهم أو عرقهم أو لونهم.. فالوقوف إلى جانب المظلوم هو واجب إنساني.

هذه الثقافة الإسلامية، التي طبقتها الخلافة الإسلامية العثمانية، فحوّلتها إلى ملاذ آمن للشعوب التي هُجّرت من أراضيها بسبب القمع والاضطهاد والظلم، تؤكد تركيا اليوم أنها الابن البار الذي يحافظ على إرث والده وأجداده، فهي وبكل فخر واعتزاز تعلن في غير مرة أنها تتعامل مع مضطهدي العالم، من منطلق إنسانيتها ودينها وثقافتها الموروثة من الأجداد.

إن محطات التاريخ الشاهدة على فتح الخلافة الإسلامية العثمانية لأراضيها لاستقبال المظلومين والمهجّرين، كثيرة جدًّا، فها هي تستقبل في العام 1492 اليهود الذين هربوا من الجرائم التي وقعت بحقهم في إسبانيا.

استقبال اليهود من إسبانيا، كان بقرار من ابن السلطان محمد الفاتح، فاتح القسطنينية، صاحب البشارة النبوية، حيث أصدر السلطان العثماني آنذاك، بايزيد الثاني بن محمد الفاتح، قرارًا بهذا الخصوص جاء فيه : "على الجميع استقبال اللاجئين بكل رحابة صدر، وعلى كل شخص يصدر عنه سلوك مخالف لهذا الأمر، أو يصدر عنه تعامل سيء تجاه اللاجئين، أو يتسبّب لهم بأي ضرر، أن يعلم بأن عقابه سيكون الموت، ناهيكم عن أن قضية إعادة اليهود الذين لجأوا إلينا من إسبانيا، هي قضيةٌ مرفوضة ولن تخضع للنقاش".

هذه هي ثقافة ديننا، التي كان يحافظ عليها ويطبقها السلاطين العثمانيون، هذه هي الثقافة الإنسانية التي أورثها محمد الفاتح، لابنه بايزيد... فلنقرأ التاريخ ولنطبق ديننا الحنيف لتعود مكانتنا بين الأمم كما كانت إبّان ذاك التاريخ الجميل.

ولا تتوقف الشواهد هنا، فها هو السلطان العثماني، عبد المجيد الأول، يرفض تسليم المهاجرين والفارين المجر والبولنديين الى روسيا والنمسا، وهم كانوا قد هربوا من القمع الممارس بحقهم في بلادهم والتجأوا الى أراضي الخلافة الإسلامية العثمانية.

لم تكتف روسيا والنمسا بالمطالبة بتسليمهما هؤلاء اللاجئين، بل عمدتا إلى ممارسة كل الضغوط على السلطان عبد المجيد الأول، الذي أنهى الأمر بمقولة شهيرة له: "إن تسليم تاجي ومُلكي لأهونُ عليّ من أن أسلّم شخصًا واحدًا احتمى ببلدي".

واستطرادًا، فإن المجر لم تحفظ اليوم هذا الخير من الخلافة الإسلامية العثمانية، ورفضت بشكل قطعي استقبال أي لاجئ سوري أو غير سوري على أراضيها، كما أسلفنا سابقًا.

والسلسلة تطول، حتى تصل إلى تركيا الحديثة، التي تسير على خطى الخلافة الإسلامية العثمانية، فها هي اليوم تعتبر الملجأ الوحيد لمسلمي الإيغور الذين يتعرضون للاضطهاد من السلطات الصينية التي تحتل تركستان الشرقية، حيث قام الرئيس أردوغان بالتدخل شخصيا في غير مرة لدى السلطات التايلاندية لمنع تسليمها معتقلين لديها من الإيغور للصين، وقامت تركيا باستقبالهم.

وأيضًا تركيا اليوم، الملجأ الوحيد لمسلمي الروهينغيا الذين يتعرضوا بدورهم لاضطهاد البوذيين المتطرفين في بورما.

وها هو داوود أوغلو يوجه بإرسال فرقاطة عسكرية تركية، قبل أشهر لإنقاذ مئات اللاجئين من مسلمين الروهينغيا الذي علقوا في عرض البحر لعشرات الأيام بعد أن رفضت عدة دول (ومنها دول إسلامية) في جنوب شرق آسيا استقبالهم.

كما أن قضية هاتين الأقليتين المسلمتين، كانتا ضمن أولويات الرئيس أردوغان خلال زيارته الأخيرة للصين وأندونيسيا، مؤكدًا وقوف تركيا إلى جانب المستضعفين بشتى الوسائل.

أما الجمعيات التركية الخيرية، وعلى رأسها هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات التركية IHH فلا تكاد تنقطع مساعداتها للإيغور والروهينغيا، ولكل محتاج في أكثر من 100 دولة حول العالم، بغض النظر عن القوميات والأعراق والدين.

ومن قبل هذا، كانت تركيا الملجأ الآمن لأكثر من مليون لاجئ إيراني، أجبروا على ترك بلادهم إبان "ثورة 1979"، كما كانت الحضن الدافئ لأكثر من 50 ألف لاجئ كردي عراقي عام 1988.

وختامًا، مع كارثة العصر المؤلمة المتمثلة بأزمة اللاجئين السوريين الهاربين من الحرب الدموية المستمرة في بلادهم منذ سنوات، أعلنت تركيا صراحة وقوفها إلى جانب الشعب السوري وفتحت كل أبوابها أمام اللاجئين منهم.. هم المهاجرون والشعب التركي الأنصار.

وتستضيف تركيا اليوم من اللاجئين السوريين فقط، أكثر من مليوني لاجئ، وهو الرقم الأكبر بين الدول التي تستضيف اللاجئين السوريين.

هذا وستبقى تركيا محافظةً على إرثها العثماني في هذا المجال وفي المجالات الأخرى، فمن لا تاريخ له لا حاضر ولا مستقبل له.. كيف إذا كان تاريخًا مشرّفًا نعتزّ به، بإنسانيته وعراقته وثقافته وبكله.