المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حمزة تكين Headshot

هل تتخذ تركيا من "العمال الكردستاني PKK" ذريعة لمحاربة الأكراد؟

تم النشر: تم التحديث:

تستمر الحملة العسكرية التركية ضد مواقع وعناصر حزب "العمال الكردستاني" في إقليم شمال العراق، وفي الداخل التركي، منذ أواخر شهر تموز/ يوليو الماضي، وذلك عقب استمرار الحزب بشن هجمات إرهابية ضد مواقع وعناصر مدنية وعسكرية في عدد من الولايات في جنوب شرق تركيا.

الحملة العسكرية التركية ضد هذا الحزب المُصنّف على لائحة الإرهاب في عدد من دول العالم، لن تتوقف هذه المرةـ كما صرح كثير من المسؤولين الأتراك ـ إلا بعد أن يعلن هذا التنظيم تخليه عن السلاح، والعودة الى مسيرة السلام الداخلي، فصبر أنقرة قد نفذ هذه المرة ولا رجعة عن قرار الحسم.

في ظل هذا الواقع، هل يستهدف قرار الحسم هذا، الأخوة الأكراد في تركيا، بذريعة استهداف المنظمات الإرهابية؟ أم أنه يستهدف هذه المنظمات وعلى رأسها "العمال الكردستاني" فحسب من أجل مصلحة كل الشعب التركي؟

لا مجال للشك لدى أي متابع موضوعي للشأن التركي، بغض النظر عن أي اعتبار من هنا أو هناك، أن القرار التركي الجديد يهدف إلى القضاء على الإرهاب ومنظماته من أجل تحقيق السلام المنشود، ولا يستهدف أي فئة من المجتمع لاعتبارات عرقية أو قومية، وبالتالي فالحكومة التركية لا تسهدف الأخوة الأكراد بقرارها، والغالبية الساحقة منهم يدركون ذلك كثيراً بل ويؤيدون أنقرة بكل ما تراه مناسبا للحفاظ على وحدة البلاد.

وقد تجلى هذا التأييد، من خلال قيام عشرات بل مئات العائلات الكردية برفع الأعلام التركية على شرفات منازلها وفي محالها التجارية في ولايات جنوب وجنوب شرق تركيا، وذلك رفضاً لممارسات "العمال الكردستاني PKK" الإرهابية وتأييداً لقرار محاربته.

"العمال الكردستاني PKK" تحول إلى عبء على الأخوة الأكراد
خطوة رفع الأعلام التركية بهذا الشكل، من قبل عائلات كردية، واستشهاد جنود أتراك من أصول كردية بهجمات إرهابية نفذها "العمال الكردستاني" مؤخراً ضد نقاط عسكرية في جنوب شرق تركيا، وإعلان أهالي هؤلاء الشهداء دعمهم للجيش التركي ضد هذه المنظمة الإرهابية، التي تقوم أيضا بين الحين والآخر بعمليات تخريبة فقط لمنشآت مدنية وخدماتية وحرق سيارات وحافلات... يؤكد أن الأخوة الأكراد يشعرون فعلا بالعبء الثقيل للـ"PKK" عليهم وعلى حياتهم ومستقبلهم ومناطقهم ومصالحهم.

هذا العبء امتد من ولايات جنوب وجنوب شرق تركيا، ليصل الى إقليم شمال العراق، الذي طالبت رئاسته مؤخراً عناصر الحزب بالانسحاب من الإقليم.

أما شعبية حزب "الشعوب الديمقراطي" الذي يكاد يعلنها صراحة أنه مع الـ"PKK" ضد الدولة التركية بكل أركانها، فقد انخفضت وفق بعض استطلاعات الرأي، في المناطق ذات الأغلبية الكردية، بنسبة 3%.

من هو حزب العمال الكردستاني PKK ؟
تأسس هذا الحزب، ذو التوجهات اليسارية، سرا في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 1978، على يد عدد من الماركسيين اللينينيين، بقيادة عبد الله أوجلان، مطالباً باستقلال "كردستان" عن تركيا، وإعلان استقلال "كردستان" الموحد، والذي يضم أجزاء من تركيا وسوريا والعراق وإيران.

ومال لبث أن خفّض الحزب مطالبه إلى المطالبة بحكم فدرالي للأكراد.

توجه الحزب اليساري لم يشفع له لدى المنظمات الاشتراكية في العالم، والتي لم تدعمه بأي تمويل يذكر، فما كان من قيادته إلا التوجه الى مصادر تمويلية مشبوهة وغير شرعية، كتجارة وتهريب المخدرات، التي تجني له مليارات الدولارات، وهذا حال المنظمات الخارجة عن القانون.

لم يلتزم الحزب بالعمل السياسي الذي تأسس على أساسه في العام 1978، بل تحول إلى حزب عسكري، يشن هجمات إرهابية ضد الدولة التركية، راح ضحيتها حتى الآن أكثر من 40 ألف شهيد بين عسكري ومدني، من مختلف الأعراق والقوميات التي تضمها تركيا، خاصة وأن الحزب يعتبر كل من لا يؤيده عدواً له، وحتى وإن كان كردياً.

هذا وفي سجل الحزب الدموي، عمليات خطف وقتل لمئات السياح الأجانب في تركيا، إلى جانب اعتداءات عديدة ضد مصالح الدولة التركية في بلدان أوروبية وغربية عدة.

هذه الأعمال الإرهابية، حجزت للحزب مكاناً ضمن قائمة الأحزاب والمنظمات الإرهابية في تركيا والولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، وعدد من دول العالم، وهو حاليا يضم وفق بعض التقديرات حوالي 6 آلاف مقاتل ينتشرون خاصة في جبال إقليم شمال العراق.

من يقود الـ"PKK" اليوم؟
اليوم يقود الحزب عسكريا "مراد كارايلان"، وذلك بعد أن اعتقلت تركيا زعيمه عبد الله أوجلان، في العام 1999 (أي بعد 15 سنة من العمليات الإرهابية بقيادته)، وحكم عليه بالإعدام ليصار لاحقاً إلى تخفيف الحكم إلى السجن المؤبد في جزيرة صغيرة في بحر مرمرة.

بعد 14 عاماً من اعتقال أوجلان، أي في العام 2013، دعا الأخير في رسالة تليت في محافظة ديار بكر، جنوب شرق تركيا، لإنهاء العمليات العسكرية التخريبية التي كان ينفذها حزبه، وإلى الانسحاب من الأراضي التركية، قائلا "اليوم هو بداية عهد جديد، حيث يجب أن تعلو السياسة على السلاح... لقد وصلنا إلى مرحلة يتعين فيها على العناصر المسلحة أن تنسحب إلى خارج حدود تركيا".

وبسبب رفض بعض قيادات الحزب لدعوة أوجلان، برزت مؤخراً صراعات داخلية في صفوف القيادات والعناصر، حيث نقض الحزب السلام، وقام بتنفيذ عشرات الهجمات الإرهابية ضد أهداف مدنية وعسكرية في تركيا، دفعت أنقرة الشهر الماضي، إلى شن عمليات عسكرية واسعة على مواقعه في إقليم شمال العراق، إضافة لحملات اعتقال كبيرة لعناصره في الداخل التركي، ولا تزال هذه العمليات مستمرة ولن تتوقف حتى يترك الحزب السلاح.

الخلاف واضح بين عبد الله أوجلان ومراد كارايلان
عندما انطلقت عملية السلام، بدعوة من الحكومة التركية، قبل سنوات، أعلن من يقود العمل العسكري للـ"PKK" مراد كارايلان "نحن ملتزمون بالاتفاق مع قيادتنا، وقرار أوجلان ـ بترك السلاح والسير بالسلام هو قرارنا".

هذا الموقف لـ"كرايلان" ما لبث أن تبدل بعد الانتخابات البرلمانية التركية الأخيرة في حزيران/ يونيو الماضي، حيث أعلن "لا يمكن للرئيس عبد الله أوجلان أن ينادي بترك الأسلحة، نحن فقط من يقرّر بترك الأسلحة".

لماذا مازال الـ"PKK" مصراً على إرهابه
هو عدّل كما ذكرنا آنفا، مطالبه لتنخفض إلى المطالبة بحكم فدرالي، بدل المطالبة بالاستقلال، إذن هو لا يشن الهجمات من أجل الاستقلال، وإن افترضنا أنه يهاجم المدنيين والعسكريين من أجل تحقيق الفدرالية، فإن هذا يستوجب تعديل الدستور التركي، وهذا غير ممكن في ظل الواقع الحالي واستمرار الإرهاب.

لو وضعنا افتراضية حالية للحزب، وهي أنه يريد تحرير زعيمه عبد الله أوجلان من السجن، فإن هذه الذريعة نسفها أوجلان بنفسه حينما أبلغ رئيس حزب "الشعوب الديمقراطي" صلاح الدين دميرطاش في نيسان/ أبريل من العام 2013 أن المسألة ليست حريته، قائلاً: "لو أن الحكومة التركية أطلقت سراحي هذا الأسبوع فلن أغادر من هذا المكان".

لو افترضنا أيضا أنه مصر على ما هو عليه من أجل الاعتراف باللغة الكردية، فهذا قد حصل فعلاً.

وإن كان يدعي الحزب أن العمل السياسي محظور على الأكراد، فهذه حجة واهية مع دخول حزب كردي ـ للمرة الأولى للبرلمان التركي ـ وهو حزب "الشعوب الديمقراطي" والذي لديه عدد نواب بنفس عدد حزب "الحركة القومية" التركي (80 نائبا لكل منهما)، إضافة لإدارته 102 بلدية، فعن أي عمل سياسي محظور على الأكراد يدعيه الـ"PKK" ؟!
إذن السؤال الأهم الآن: لماذا مازال الـ"PKK" مصراً على إرهابه، وتحت أي حجج ؟!، هل أعمال هذه المنظمة تفيد الأخوة الأكراد؟!

حكومات العدالة والتنمية وحقوق الأكراد
منذ أن استلم حزب العدالة والتنمية السلطة عام 2002 حمل مبدأ تحويل التنوع القومي الموجود في تركيا، وخاصة بين الأتراك والأكراد، إلى ثروة ثقافية وحضارية مميزة، بدل النفور والاقتتال ، ولذلك عمدت حكومات "العدالة والتنمية"، الى القيام بإصلاحات متتابعة، على مختلف الأصعدة في تركيا، وخاصة تلك التي تتعلق بالأخوة الأكراد.

أول ما قامت به حكومة العدالة والتنمية، برئاسة رجب طيب أردوغان، عام 2003، أنها سمحت بتنظيم دورات لتعليم اللغة الكردية، إلى جانب منح الأخوة الأكراد حقوق الكتابة والتأليف والنشر بلغتهم، فضلاً عن افتتاح أقسام خاصة في الجامعة التركية لتعليم اللغة الكردية وبعض اللغات الأخرى ومنها اللغة العربية.

كما أطلقت الحكومة التركية لاحقاً، وفي خطوة أعتبرت هامة جداً، وبادرة خير تجاه الأخوة الأكراد، قناة تلفزيونية رسمية تابعة لشبكة TRT ناطقة باللغة الكردية، كما تم افتتاح قسم خاص باللغة الكردية في وكالة الأناضول للأنباء الرسمية.

وقد توج، أردوغان، الذي كان رئيساً للوزراء عام 2013، هذه الإصلاحات بإعلانه "حزمة الإصلاحات الديمقراطية" التي أعطت الأخوة الأكراد حق فتح معاهد ومدارس خاصة تدرس باللغة الكردية، إضافة للسماح لهم بالدعاية السياسية بلغتهم، وإعادة أسماء العديد من القرى إلى أسمائها الكردية القديمة.

وشدد أردوغان في هذه الحزمة أيضا على زيادة عقوبات العنصرية والتمييز، على أساس اللغة والعرق والقومية، إلى جانب تغيير القسم الطلابي الذي كان يردد صباح كل يوم في المدارس على الأراضي التركية، حيث كان يشير إلى القومية التركية دون غيرها.

والأكثر من هذا، أن للأكراد اليوم ـ للمرة الأولى في تاريخ الجمهورية التركية ـ حزبا يمثلهم في البرلمان التركي كما ذكرنا سابقا، وكذلك فإن لأي كردي الحق بالوصول لأي منصب في الدولة التركية بكفاءته وقدراته، ولا يُمنع من ذلك لأنه "كردي"، والشواهد على ذلك كثيرة حالياً.

هذه الإصلاحات الهامة، التي لن تكون الأخيرة في مسيرة تحقيق السلام الداخلي في تركيا، وقطع الطريق على المتربصين والمصطادين بالماء العكر واللاعبين على الوتر القومي، وازتها سياسة تنموية شاملة اعتمدتها حكومات "العدالة والتنمية" في المناطق ذات الأغلبية الكردية في جنوب وجنوب شرق تركيا، نهضت بهذه البقعة الجغرافية بعد أن كانت في عداد المناطق المنسية.

وها هو رئيس إقليم شمال العراق السيد مسعود بارازاني يقول مع بداية الحملة العسكرية التركية الحالية "اسم الأكراد وكردستان لم يكن ليذكر قبل مجيء حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا، وقد بذلنا جهوداً مضنية لتحقيق عملية السلام مع رئيس الجمهورية التركية السيد رجب طيب أردوغان، كما نجحنا في أن يكون السيد عبد الله أوجلان (زعيم PKK) طرفاً في عملية السلام، وهذا تقدم كبير، ونحن قد شهدنا من قبل كيف كانت الأحزاب التركية الأخرى تعامل السيد أوجلان قبل مجيء العدالة والتنمية".

كل هذه الخطوات لم تلق يداً ممدودة إيجابية من قيادات "الشعوب الديمقراطي" والـ"PKK" وغيرها، من أجل استكمال المسيرة، بل فضل المخربون سماع أصوات الخارج من هنا وهناك.

الطيب أردوغان يسأل: ماذا تريد أكثر من هذا أخي الكردي؟
هي أسئلة كان رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان طرحها في آذار/ مارس الماضي على الأخوة الأكراد في كلمة له خلال توزيع جوائز اقتصادية بولاية باليكسير غربي تركيا، مشدداً أنه لا وجود لما يسمى "مسألة كردية" في تركيا.

سأل أردوغان: "أنا أتوجه لأخي الكردي ما الذي ينقصك في هذا البلد؟ هل يمكنك أن تصبح رئيساً للجمهورية التركية؟ نعم، وهل انتخبت رئيسًا للوزراء؟ نعم، وهل أصبحت وزيراً في الحكومة ؟ نعم، وهل تبوَّأت أعلى المناصب الإدارية في تركيا ؟ نعم، وهل أنت موجود في القوات المسلحة التركية ؟ نعم، فماذا تريد أكثر من ذلك؟".

وفي الختام، لا يمكن للأتراك أن يكونوا على صراع مع الأخوة المواطنين الأكراد، الذين لهم احترامهم وحقوقهم وعليهم واجباتهم، خاصة، وأن الأكراد كانوا من أوائل المدافعين عن الخلافة الإسلامية العثمانية إبان الحرب العالمية الأولى، كما شاركوا في حرب الاستقلال التركية التي انتهت عام 1923 بإعلان الجمهورية التركية... لا يمكن للأتراك أن يكونوا على صراع مع الأخوة الأكراد، خاصة وأن منهم:

ـ الناصر "صلاح الدين الأيوبي"، محرر بيت المقدس من الاحتلال الإفرنجي.
ـ "بديع الزمان الجزري" أعظم الميكانيكيين في التاريخ الإسلامي.
ـ "بديع الزمان النورسي" أحد أهم علماء المسلمين في القرن العشرين، المهتم بنهضة الأمة الإسلامية وتقوية وتد الخلافة الإسلامية العثمانية.

ـ "أحمد شوقي" أمير الشعراء، الذي ولد لأب كردي مصري وأم من أصول تركية.

وغيرهم كثير من أعلام الأمة، الذين خدموا البشرية والإسلام خير خدمة، على عكس ما تقوم به التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها "العمال الكردستاني PKK"، من عمليات تخريبية، باسم الأخوة الأكراد، والخُلُق الكردي منها براء.