المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حمزة تكين Headshot

شهادة الدستور بـ"إسلام الدولة".. حبر على ورق

تم النشر: تم التحديث:

blue mosque
فجّر تصريح رئيس البرلمان التركي "إسماعيل قهرمان" قبل أيام حول "ضرورة عدم إدراج كلمة العلمانية في الدستور التركي الجديد"، ردود فعل كثيرة في الأوساط التركية والعربية والعالمية.

في الحقيقة هو تصريح يعبر عن ديمقراطية يتمتع بها حزب العدالة والتنمية الذي ينتمي إليه قهرمان، وهذا يأتي في سياق الحرية الشخصية لنواب وأعضاء الحزب.

العلمانية في تركيا

تُعتبر تركيا أول دولة في العالم الإسلامي لا يشير دستورها صراحة لهويتها الإسلامية، بل يؤكد أنها دولة علمانية، كما تعتبر تركيا أيضاً من الدول الإسلامية القليلة الرائدة في مجال الديمقراطية وتداول السلطة.

إن مفهوم العلمانية في تركيا ـ أتحدث عن تركيا حصراً ـ يعني أن تكون الدولة على مسافة متساوية، من كافة الطوائف الدينية، بحيث يتمتع جميع المواطنين فيها بحرية المعتقد وممارسة الشعائر.

تجدر الإشارة هنا الى أن روح هذا المفهوم هو أساس الدين الإسلامي، حيث يقول الله تعالى في كتابه الكريم: "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ"، ويقول: "لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ"، ويقول أيضاً سبحانه وتعالى: "وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ"، وأيضاً: "لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً"، وأيضاً: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ".

إن العلمانية في تركيا لا تعني أبداً أنها إبعاد للدين والشعائر الدينية والشعور الديني عن أبناء المجتمع بمختلف مشاربهم، ويجب عدم فهم العلمانية في تركيا على أنها محاربة للدين وإلغاؤه من فكر ومنهج حياة المسلمين، كما حدث في فترة معنية من تاريخ تركيا، حيث حُرّفت العلمانية ومنعت بعض الشعائر الدينية الإسلامية، كمنع المحجبات من الدخول إلى الدوائر الرسمية والجامعات والمدارس، لسنوات طويلة.

في الواقع إن الدولة التركية بدستورها الحالي لا تُعتبر معادية للدين أبداً، فهي أنشأت منذ قيامها كجمهورية في عام 1923 رئاسة خاصة له هي "رئاسة الشؤون الدينية" التي لها دور هام جداً في المجتمع التركي وتتمتع بصلاحيات دينية واسعة وحرية مطلقة في التصرف، حتى في ظل وجود الدستور العلماني.

المطلوب تجاه العلمانية في تركيا

بعد الجدل القديم الجديد حول العلمانية في تركيا يجب العمل بشكل جاد من أجل التعريف بالعلمانية وكيفية تطبيقها، وعدم تحويلها إلى صراع مع معتقدات وقيم وأفكار وفلسفات وأنماط معيشة الشعب، أو تحويلها إلى سياسة دولة تمارس الضغط على تلك المفاهيم.

المطلوب اليوم في الدستور الجديد تحديد التعريف الصريح للعلمانية في تركيا بشكل لا يفتح الطريق لتأويلات وتفسيرات خبيثة قد يستغلها البعض لمحاربة الدين وخاصة الإسلام.

تركيا دولة مسلمة

يشكل المسلمون أكثر من 95% من مجمل سكان تركيا، وهم اليوم يتمتعون ـ كما غير المسلمين ـ بحرية تامة في المعتقد وإقامة الشعائر الدينية وبناء دور العبادة والتدريس الديني والدعوة الدينية والأنشطة الإسلامية والإعلان صراحة جهارة "نحن مسلمون"، كل هذا يحصل في ظل وجود دستور يتضمن جملة "تركيا دولة علمانية".

في الحقيقة لا يمكن اعتبار هذه الجملة إلا أنها حبر على ورق، في ظل الحرية الإسلامية التامة في تركيا التي لا ينقصنا منها شيء، فالإسلام دين عمل وتطور وازدهار وتقدم مهما كان الشعار الذي يسير في ظلاله.

وكذلك جملة "دينها الإسلام" الموجودة في كثير من دساتير الدول العربية والإسلامية ـ إلا من رحم ربي ـ هي حبر على ورق في كثير من الأحيان، حيث إن مفهوم الإسلام وحقيقة روح الإسلام غير مطبقة، فلا نجد إلا ظلماً وقهراً وديكتاتوريات وتراجعاً تنموياً واقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، ولا نجد نصرة حقيقية للمسلمين، والشواهد على ذلك بالعشرات، ليس مجال ذكرها الآن.

حزب العدالة والتنمية والعلمانية في تركيا


لقد أثبت حزب العدالة والتنمية، ذو التوجهات الإسلامية، نجاحاً باهراً ـ بشهادة الصديق والعدو ـ خلال السنوات الماضية في إدارته للدولة، وذلك تحت دستور يتضمن أن "الدولة علمانية"، ومسيرته مستمرة في نجاح يتلوه نجاح، على الصعيد الديني والاقتصادي والسياسي والاجتماعي والمالي والإقليمي والدولي.

في واقع الأمر ومن يفكر بعمق يدرك أن حزب العدالة والتنمية ليس بحاجة لتغيير بضع كلمات في الدستور التركي ـ خاصة في هذه المرحلة ـ من أجل مواصلة مسيرته، فلتبق هذه الجملة وليتم توضيحها بشكل جلي ولا مشكلة بذلك.

لو غيّر الحزب هذه الجملة اليوم، ما الذي سيتغير في مسيرته الكبرى التي يسير فيها؟! في الواقع لا شيء، بل ربما يخسر الكثير.

ولنا في رسول الله - صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم - أسوة حسنة، الذي ظل يدعو للإسلام في مكة المكرمة ويصل في بيت الله الحرام مدة 13 سنة مع وجود 365 صنماً في داخل وحول الكعبة المشرفة، الحكمة في القول والعمل وليس بالشعارات.

ختاماً


ليس شرطاً في ظل الجمهوريات الحديثة التي نعيش فيها أن نورد في دستور الإسلامية منها جملة "الإسلام دين الدولة"، فمن يرد تطبيق الإسلام يستطع ذلك حتى لو كان في عقر الدولة الملحدة (وهناك فرق بين الإلحاد والعلمنة) دون الحاجة لهذه الجملة، ومن لا يرد تطبيق الإسلام لن يطبقه ولو كان يدعي أن دستور الدولة هو القرآن الكريم، وكم من دولة تتخذ من الإسلام شعاراً في دستورها واسمها الرسمي والإسلام منها براء.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.