المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حمزة المطلع Headshot

إشراقات في الحضارة الإسلامية

تم النشر: تم التحديث:

كان العرب دون حضارة، تختلف الآراء والتقديرات في بساطتهم وبدويتهم، وفي الجهل المطبق الذي كان يعم الصّحراء وأهلها، ولعل إعداد مثل تلك البيئة كان مقصوداً من لدن رب العالمين، فإنك إن لم تعِش في الظلمات لن تدرك أبداً قيمة النور، وإن لم تتخبط في أوحال الجهل لن تستوعب مدى أهمية العلم، وهكذا كان ظهور سيدنا محمد في تلك البقعة إيذاناً ببزوغ فجر الحرية، ونهاية ظلام العبودية والجهل، سطعت الشمس المحمدية وأنارت الكون كله بنور الإيمان والفضيلة والعلم والتقوى والصلاح، وصنع سيدنا محمد بيديه الشريفتين وتحت عين الله رجالاً خلّدهم التاريخ، فلا أحد في التاريخ يضاهي أبا بكر رحمة وصدقاً، ولا أحد في التاريخ يبلغ مرتبة العدل التي حققها الفاروق عمر رضي الله عنه، ولعل في سيرة الإمام علي من العبر والدروس ما يجعلنا نقف وقفة إجلال وإكبار أمام هذه الشخصية العظيمة.

ولكن المسلمين بعد مقتل هذا الأخير تعرضوا لصدمة قاسية، قاسية جداً كسرت ظهر الأمة الإسلامية وحرفت مسار التاريخ المضيء نحو طريق شديدة الظلمة، وأفسدت العلاقة التكاملية بين الدعوة والدولة، بين السلاطين والعلماء، فخرج السلطان عن الدائرة وتمرد، بدافع العصبية القبلية، وبقوة السيف تم إغلاق باب الاجتهاد، وتقوقع العلماء في الفروع ونسوا الأصول، وباتوا جزءاً من الحاشية التي تضفي الشرعية على الظلم والاستبداد.

كانت نقطة تحول مؤذية، حين تمكن بنو أمية من الحكم، ولكن الدعوة المحمدية رغم هذا الانحراف الخطير استمرت في الانتشار والتوسع، وعلى هذه الأرضية الإسلامية بدأت تنشأ حضارة قوية فاعلة ومؤثرة، بمختلف جوانبها، ومنحتنا على مر التاريخ، علماء وملوكاً صالحين، جددوا في الفهم الإسلامي وخرجوا عن الطوق، بل كسروه، وكان أول من كسر هذا الطوق الإمام الحسين -رضي الله عنه- شهيد الحرية والعشق كما يحلو لبعض المؤرخين تسميته، ثار في وجه الظلم بعتاده البسيط، وصنع موقفاً رجولياً أثر في كل ذريته من بعده، مما دفع الحسن البصري رحمه الله، وهو أحد الأحرار في زمن العبيد لقول مقالته الشهيرة حين سأله وكيع بن أبي الأسد: يا أبا سعيد ما تقول في دم البراغيث يصيب الثوب أيصلى فيه؟ فأجابه الإمام: "يا عجباً ممن يلغ في دماء المسلمين كأنه كلب ثم يسأل عن دم البراغيث"، فكان الحسن البصري إماماً حراً عزيزاً، رغم أنه كان في بساط الملوك والأمراء الفاسدين.

يعدّ سيدنا عمر بن عبد العزيز أول نموذج في الحكم بعد الانتكاسة، تميز بحبه للخير والعدل والمساواة ورد المظالم إلى أهلها، ولعله كرّس فترة حكمه القصيرة محاولاً تصحيح المسار، من خلال عزل جميع الولاة الظالمين ونشر العلم بين الرعية، والعمل بالشورى وتدوين الحديث النبوي، كما قام بإصلاحات اقتصادية موسعة، حتى لم يتبقَّ هناك فقير ضمن الرقعة التي كانت تحت حكمه الرشيد، إصلاح بل تغييرات جذرية، أشعلت جذوة المؤامرات لتنتهي بموت الملك الاستثنائي مسموماً.

وبعد حوالي خمسة قرون، ظهر العالم الجليل، العز بن عبد السلام، هذا الرجل الشهم الذي فعل شيئاً لم يسبق لأحد أن فعل مثله في تاريخ البشرية على امتداده، لقد قام بوضع الأمراء في المزاد العلني وبيعهم مثل العبيد حتى يحسّن اقتصاد مصر، ولما غضب السلطان من فعله، قام بعزل نفسه، واشترى دابتين واحدة للمتاع وأخرى لزوجته وطفله وخرج بموكبه البسيط، ولما علم الناس بمغادرته خرج العلماء والقضاة والأمراء وكل أصناف الناس حتى الذين لا يؤبه لهم، خرجوا خلفه، وخاف السلطان أن تتركه رعيته وحيداً فقام باسترضاء العز ليعود، فقبل العالم الجليل العودة بشرط أن يكمل ما بدأه في بيعه للأمراء، لقد كان فعلاً مدرسة جهادية متنقلة في قول كلمة الحق في وجه السلاطين والجبابرة، لقد كان بحق سلطاناً للعلماء، وبائعاً للملوك.

ولا يمكننا أن نمر على هذه الحقبة الزمنية المباركة، دون أن نذكر المعْلمة الجهادية الكبرى "صلاح الدين الأيوبي"، هذا الصوفي المجاهد الذي عاش معظم حياته وسط المعارك مع الصليبيين ليتوج جهاده الكبير بفتح القدس، وإرجاعها ملكاً خالصاً للمسلمين، ولعل قوة هذا البطل وحنكته السياسية والعسكرية وورعه وتقواه كانت سبباً كافياً دفع الجنرال غورو عندما دخل دمشق منتصراً ووقف أمام قبر صلاح الدين وقال: "ها قد عدنا يا صلاح الدين"، وهي واحدة من أشهر فلتات اللسان في تاريخ الزعماء الغربيين.

وفي هذا الموضع بالذات لما فازت حماس بالانتخابات قال الدكتور إسماعيل هنية نفس الجملة، لكن بمعنى مختلف طبعاً، ولعله كان يقصد بأن الفوز في الانتخابات هو أول الخطوات لتحرير بيت المقدس.

وفي جانب آخر وبعيداً عن التراتبية الزمنية للتاريخ، نجد أن الحضارة الإسلامية أنجبت كثيراً من العلماء الذين نبغوا في شتى العلوم الكونية، فابن خلدون يعتبر مؤسس علم الاجتماع دون منازع، عن طريق مقدمته الشهيرة التي تعتبر مرجعاً أساسياً في الموضوع، وهناك ابن إسحاق الكندي الذي كان أول من حدد جرعات جميع الأدوية الموجودة في عصره، ووضع أول سلم للموسيقى العربية، والبيروني الذي يعتبر أشهر شخصية علمية على مر العصور، قال عنه المستشرق سخاو إنه "أكبر عقلية في التاريخ"، وابن سينا حكيم الشرق والغرب الذي جعلته مؤلفاته الطبية من عباقرة التاريخ الخالدين، وغير هؤلاء كثير وكثير ممن ساهموا بنبوغهم ليس فقط في نهضة العرب والمسلمين، بل في نهضة العالم.

والمسلمون هم أكثر من كتب في الحب والعشق، فقد قدمت الحضارة الإسلامية أعلاماً كباراً، مثل سلطان العاشقين ابن الفارض، والحلاج، ومولانا جلال الدين الرومي، وعمر الخيام واللائحة طويلة.

لكن التساؤل يبقى مطروحاً: كيف لأمة بهذا الزخم وبهذه الكثافة من الرجال الصالحين والمصلحين والأعلام الكبار، كيف لها أن تكون في ذيل الأمم؟ لا يمكن تفسير هذا الأمر إلا بحقيقتين لا مفر لنا منهما؛ الأولى ذكرناها في بداية هذا المقال، وهي عن فساد الحكم الذي ظل متوارثاً حتى عصرنا الحالي، والحقيقة الثانية هي هذا الاستعمار الذي بدأ عسكرياً، وما زال مستمراً ثقافياً وفكرياً، مما سبب فراغاً مهولاً امتد في أعماقنا ورسخ بشدة، فراغ روحاني، واستلاب فكري، وإعلام فاسد أنتجوا جيلاً هجيناً يجهل عمقه التاريخي وتاريخه المشرق، ولا يصله من الحقيقة إلا الفتات.

لنا عمقنا التاريخي ولنا نماذجنا التي نفخر بها، ولن يكون لنا نهوض ولا خلاص إلا بالاقتداء بها وتتبع خطواتها الرشيدة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.