المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حمزة محسن حسين Headshot

التجربة التركية بين الأستاذ وتلميذه

تم النشر: تم التحديث:

تجربة حُكم فريدة من نوعها، تلك التي حوَّلت دولة في غضون أقل من عِقدين من مجرد جسر جغرافي تمركز بين الشرق والغرب إلى جسر سياسي ثقافي اقتصادي لا يكتفي بالربط الجغرافي بينهما؛ وإنما يعمل على تقريب المسافات كفاعل سياسي حقيقي يصعب تجاوز وجوده.

اتفقتَ أو اختلفتَ مع السياسات التركية التي يمثلها حزب العدالة والتنمية الحاكم، فإن ذلك لن يمنع كثيراً من "الإسلاميين" -الذين سلكوا مسار الإصلاح الدستوري- من اعتبار تلك التجربة محل فخر لهم، ومصدر إلهام، وأنموذجاً يحتذى به.

بعيداً عن المعجزات والخوارق، فإن كل النتائج في عالمنا مَرَدُّها أسباب.. أسباب تَعَيَّن على المتأمِّل من هؤلاء "الإسلاميين" أن يتفحصها بعين المعتبر؛ ليفيد منها بما يوافق تجربة بلده الخاصة.

لكل تجارب الإصلاح في كل البلاد كانت تحديات وتهديدات، وفي التجربة التركية كان الحضور العلماني المتعصب لمعاداة كل مظاهر الدين الإسلامي -فضلاً عن جوهره- متأصلاً بين ساسة الأتراك ومتترِّساً بقوة الجيش ومحميّاً بأحكام القضاء، ومتخذاً لطبقة أرستقراطية من الوجهاء رافعةً اجتماعيةً له ولكل مظاهر التغريب.

كان تحدي ذلك النظام الأتاتوركي صعباً للغاية، على الرغم من النزعات الصوفية التي كانت تدين بها الأغلبية المسلمة، فإن الأمر كان معقداً بدرجة كبيرة؛ فمجرد قرار برفع شعيرة إسلامية باللغة العربية كان كفيلاً بأن يدفع صاحبه حياته ثمناً لذلك القرار!

ففي خمسينات القرن الماضي، كانت لرئيس الوزراء عدنان مندريس -ذلك الليبرالي المحافظ- جهود، أُعدِم إثرها إبان انقلاب الجيش في عام 1960، بعد محاكمة اتُّهِم فيها بمحاولة تغيير نظام الدولة العلماني.

في تلك الأثناء، كان مؤسس حركة "الفكر الوطني"، نجم الدين أربكان -الأب الروحى لإسلاميي تركيا- يُعِدُّ العُدَّة ليخوض غمار الحياة الحزبية السياسية، فأسس حزبه الأول "النظام" في عام 1970.

في الملتقى التأسيسي للحزب، ألقى أربكان كلمة أكد فيها البعد "الإسلامي" للحزب، قائلاً: "إن أمتنا هي أمة الإيمان والإسلام، وليس أمامنا إلا العمل معاً لنصل تاريخنا المجيد بحاضرنا الذي نريده أن يكون مُشرفاً".

لم يكن الأمر يستحق أكثر من أشهر معدودة ليتم حل الحزب ومصادرة أمواله؛ بدعوى مخالفة نظام الدولة العلماني.

في عام 1972، تقدَّم أربكان بحزب آخر سماه "السلامة الوطني". وفي أكتوبر/تشرين الأول من عام 1973، استطاع حزبه الفوز بـ48 مقعداً نيابياً؛ ليشارك حزب "الشعب الجمهوري" العلماني الذي تصدَّر النتائج وقتها في تشكيل الحكومة.

حاول أربكان، من خلال منصبه كنائب لرئيس الوزراء بولنت أجاويد، أن يعيد الصلاة في مسجد آيا صوفيا، الذي كان قد تحول سابقاً إلى متحف. أيضاً، قام بفتح مدارس لتحفيظ القرآن الكريم، كما نادى بعقد الزواج "الشرعي" بديلاً عن "المدني"، ولم ينسَ محاولة اعتماد الجمعة عطلة رسمية بدلاً من الأحد.

9 أشهر كانت كافية جداً لسقوط تلك الحكومة التي عادت علمانيةَ الدولة. وفي سبتمبر/أيلول من عام 1980، قام الجنرال كنعان إيفرين بانقلاب عسكري هو الأكثر دموية في تاريخ تركيا الحديث؛ فتم إعدام 50 شخصاً، وكان اعتقال ومحاكمة لأكثر من نصف مليون معارض، كما سُجلت قرابة الـ300 حالة وفاة بسبب التعذيب، فضلاً عن آلاف اللاجئين السياسيين.

3 سنوات أمضاها أربكان في السجن، ليخرج بعدها في عام 1984 مؤسِّساً حزباً جديداً سماه "الرفاه" بديلاً عن سابقه الذي تم حلُّه كالعادة، وليعاود ذلك العنيد مزاحمة الخصوم ومقارعة أبواب السياسة؛ فتدرج الرجل في المعارضة، مستغلاً فرصة وجود توركوت أوزال في السلطة، حيث جمع الأخير في سياسته بين الحفاظ على التقاليد الإسلامية واعتماد الثقافة الغربية العلمانية.

كان خطاب أربكان لا يزال يحمل الطابع "الإسلامي" ذاته الذي يخلط بين الدين والتنظيم؛ ففي أحد مؤتمراته صرح بأن "المسلم الحقيقي هو من يصوِّت لحزب الرفاه"!

نجح أربكان أخيراً في رئاسة الحكومة بعد فوز حزبه في عام 1996 بأغلبية مقاعد البرلمان، فسعى إلى الانفتاح بقوة على "العالم الإسلامي"؛ فبدأ ولايته بزيارة إيران وليبيا، وأعلن تشكيل "مجموعة الثماني الإسلامية"، كما ﺣﺪﺩ موعداً ﻟﻤﺆﺗﻤﺮ ﻋﺎﻟﻤﻲ ﻳﻀﻢ ﻗﻴﺎﺩﺍﺕ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ، ﻭﺑﺎﺗﺖ ﺗﺮﻛﻴﺎ ﺗﺘﺪﺧﻞ ﺑﺜﻘﻠﻬﺎ ﻟﺤﻞ ﻣﺸﻜﻼﺕ ﺩﺍﺧﻠﻴﺔ ﻓﻲ ﺩﻭﻝ ﺇﺳﻼﻣﻴﺔ ﻛﻤﺎ ﺣﺪﺙ ﺣﻴﻨﻤﺎ ﺃﺭﺳﻞ وفوداً ﻟﺤﻞ ﺧﻼﻓﺎﺕ ﺍﻟﻤﺠﺎﻫﺪﻳﻦ ﻓﻲ ﺃﻓﻐﺎﻧﺴﺘﺎﻥ.

بعد مرور أقل من عام على حكومة أربكان، قام جنرالات الجيش ﺑﺎﻧﻘﻼﺏ ﻣﻦ ﻧﻮﻉ ﺟﺪﻳﺪ؛ ﺇﺫ ﻗﺪﻣﻮﺍ إليه ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻃﻠﺒﺎﺕ ﻟﻐﺮﺽ ﺗﻨﻔﻴﺬﻫﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻔﻮﺭ، ﺗﺘﻀﻤﻦ ﻣﺎ ﻭﺻﻔﻮﻩ ﺑﻤﻜﺎﻓﺤﺔ ﺍﻟﺮﺟﻌﻴﺔ ﻭﺗﺴﺘﻬﺪﻑ ﻭﻗﻒ ﻛﻞ ﻣﻈﺎﻫﺮ ﺍﻟﻨﺸﺎﻁ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻼﺩ، سياسياً ﻛﺎﻥ ﺃو تعليمياً ﺃو متعلقاً ﺑﺎﻟﻌﺒﺎﺩﺍﺕ، فاﺿﻄﺮ ﺃﺭﺑﻜﺎﻥ ﺇﻟﻰ ﺍﻻﺳﺘﻘﺎﻟﺔ ﻣﻦ ﻣﻨﺼﺒﻪ؛ ﻟﻤﻨﻊ ﺗﻄﻮﺭ ﺍﻷﺣﺪﺍﺙ ﺇﻟﻰ ﺍﻧﻘﻼﺏ ﻋﺴﻜﺮﻱ ﻓﻌﻠﻲ.

كان تعامل أربكان السياسي مع الوضع في لحظته الراهنة غاية في النضج مقارنة بغيره في بلاد أخرى؛ إذ جنَّب بلاده بذاك الانسحاب الخوضَ في أتون صراع مختلّ الموازين مع مؤسسات الدولة.

لم يكتفِ جنرالات الجيش بتنحية أربكان عن السلطة؛ ففي عام 1998 ﺗﻢ ﺣﻈﺮ ﺣﺰبه "ﺍﻟﺮﻓﺎﻩ" ﻭتمت محاكمته ﺑﺘﻬﻢ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ، ﻣﻨﻬﺎ ﺍﻧﺘﻬﺎﻙ ﻣﻮﺍﺛﻴﻖ ﻋﻠﻤﺎﻧﻴﺔ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ، ﻭﻣُﻨﻊ ﻣﻦ ﻣﺰﺍﻭﻟﺔ ﺍﻟﻨﺸﺎﻁ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ 5 ﺳﻨﻮﺍﺕ، ﻟﻜﻦ أﺭﺑﻜﺎﻥ -ذلك العنيد المشاكس- ﻟﻢ ﻳﻐﺎﺩﺭ ﺍﻟﺴﺎﺣﺔ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ، ﻓﻠﺠﺄ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺨﺮﺝ ﺍﻟﺘﻘﻠﻴﺪﻱ ﻟﻴﺆﺳﺲ حزباً جديداً ﺑﺎﺳﻢ جديد!

حزب سماه "ﺍﻟﻔﻀﻴﻠﺔ" ﺑﺰﻋﺎﻣﺔ رفيق دربه رجائي قوطان الذي لم يكن اسمه مدرَجاً ضمن قوائم الحظر، ﻭﺑﺪﺃ ﻳﺪﻳﺮ الحزب ﻣﻦ ﺧﻠﻒ ﺍﻟﻜﻮﺍﻟﻴﺲ، لكن ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ في عام 2000 اعتبرته تحايلاً ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ وامتداداً ﻟﺤﺰﺏ تم حلُّه، كما اعتبرته مركزاً ﻟﻤﻨﺎﻫﻀﺔ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﻧﻴﺔ فتعرض للحظر أيضاً.

في تلك الآونة، وتحديداً بُعَيد انقلاب 1997، كانت مجموعة من تلامذة أربكان يتدارسون أسباب تلك الهزائم المتكررة، كانوا يتساءلون عن سر السقوط.. كانت أصواتهم المعارضة لسياساته -من مطلع التسعينات- قد بدأت تعلو أخيراً وتتزايد، كانوا يصفون سياساته بأنها "ﺑﻌﻴﺪﺓ ﻋﻦ ﺍﻟﻮﺍﻗﻌﻴﺔ، وﺗﻌﺘﻤﺪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺨﻄﺐ ﺍﻟﺤﻤﺎﺳﻴﺔ ﻭﺍﻟﺸﻌﺎﺭﺍﺕ ﻭﻣﺪﺍﻋﺒﺔ ﻣﺸﺎﻋﺮ ﺍﻟﻨﺎﺧﺒﻴﻦ".

أيضاً، لم يكن يروق لهم أن يكون حل صراعاتهم مع الدولة هو استبدال حزبهم بآخر يحمل عنواناً غير العنوان! كانوا يرونها سياسة خاطئة تحتاج للمراجعة، كانوا يبحثون دائماً في جوهر الخلل؛ خلل العلاقات المدنية/العسكرية المتوترة.

رسم رجب طيب أردوغان ورفاقه سياسة جديدة لم تعادِ نظام الدولة القائم، وتجنَّبت قدر الإمكان صراعات مع مؤسساتها؛ ليكون اهتمام حزبهم "العدالة والتنمية" مكثفاً على تنمية المجتمع وتطوير الاقتصاد، مع حضور دولي يُخرج بلدهم من دوائر التبعية، وفي إطار مناخ من الحريات، وفي القلب منها حرية العبادة.

استطاعوا أن يتخفَّفوا من أيديولوجيتهم الثقيلة للغاية، والتي كانت تحجب عن منظور أستاذهم أربكان أبعاد الواقع؛ ليمارسوا السياسة حسب جوهرها.. فن الممكن وفق موازين القوى.

بينما في عام 2003، كان أﺭﺑﻜﺎﻥ لا يزال من ﺟﺪﻳﺪ يحاول؛ فأسس ﺑﻌﺪ ﺍﻧﺘﻬﺎﺀ ﻣﺪﺓ ﺍﻟﺤﻈﺮ حزباً جديداً سمَّاه "اﻟﺴﻌﺎﺩﺓ".

التجربة التركية ستظل مثالاً ينبض بالتغيير السلمي المبدع؛ إبداع تلك التجربة يكمن في تعامل قوى المعارضة التركية مع انقلابات عسكرية أربعة ناجحة قفزت على إرادات الناخبين، وأزهقت أرواحاً واعتقلت خصوماً وكممت أفواهاً. لكن البديع أن تلك القوى المعارضة لم تفكر قط في اعتماد العنف مساراً لإنفاذ المشاريع أو حتى استعادة الحقوق، فقط نضال دستوري بما يتيحه الممكن ويفرضه الواقع.

تجربة "الإسلاميين" في تركيا تجربة حملت بين منحنياتها علامات صعود وهبوط، ولكنها بالمجمل تميزت بطول النفَس والسعي الدؤوب مع المراجعة المتأنِّية وتصحيح المسار.. تجربة بدأها الأستاذ بصورة ألهمت تلامذته كيف يكون استكمال البناء.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.