المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حمزة محسن حسين Headshot

ابْرِز اللي في جيوبك يا طِعِم يا نايتي!

تم النشر: تم التحديث:

يحكى أن رجلاً وصل إلى الحكم بأغلبية أصوات الناخبين في عرس ديمقراطي حقيقي، كان هذا الرجل يمارس سياسة اقتصادية تنحاز إلى طبقة الفقراء وتهاجم الرأسمالية التي تحصر رؤوس الأموال في فئة بعينها، على غير هوى الإدارة الأميركية، وفي شجاعة منقطعة النظير عادى الرجل تلك الإدارة، صاحبة النفوذ والمشاريع الاستثمارية وأغفل وجودها تماماً، فاعتبرته خطراً كبيراً ﻳﺘﻬﺪد ﻣﺼﺎﻟﺤﻬﺎ، ﻟﻜﻨﻬﺎ ﻟﻢ ﺗﺴﺘﻄﻊ اﻟﻄﻌﻦ واﻟﺘﺸﻜﻴﻚ ﻓﻲ ﺷﺮﻋﻴﺘﻪ ﻛﺤﺎﻛﻢ؛ ذﻟﻚ أنه ﻓﺎز ﻓﻲ اﻻﻧﺘﺨﺎﺑﺎت ﺑﻄﺮﻳﻘﺔ ﺷﺮﻳﻔﺔ، ﻟﺬا ﻗﺮرت وبعد فترة حكم قصيرة إزاﺣﺘﻪ ﻋﻦ السلطة باستخدام أحد عملائها.

بالفعل قام الجنرال بانقلاب عسكري على الرئيس المنتخب، فتمسك الأخير بشرعيته ورفض التنازل، وفيما نجح ذلك الجنرال في الوصول إلى كرسي الحكم مكث عليه طويلاً ممارساً إجراءات قمعية طالت كل مَن عارضه، فحلّ البرلمان ومنح نفسه رتبة عسكرية أعلى، أيضاً لم ينسَ الرجل أن يعدل دستور بلاده ليلائم تطلعاته ويوافق هواه، لتحيا البلاد في ظل حكمه في مستنقع ظلم وفساد وتراجع واستبداد.

الحمد لله موصول بأن تلك القصة لم تكن البتة في بلادنا؛ فهي تحكي عن "أوغستو بينوشيه"، قائد جيش "تشيلي"، ذلك الجنرال الذي انقلب على رئيسه المنتخب "سلفادور أللندي" بعد أن حاصر قصر الرئاسة بآليات الجيش، ﻣﻄﺎﻟﺒﺎً الرئيس الشرعي ﺑﺎﻻﺳﺘﺴﻼم ﻓﻲ 11 ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ/أيلول ﻋﺎم 1973، ﻟﻜﻦ "أﻟﻠﻴﻨﺪي" رﻓﺾ، وارﺗﺪى اﻟﻮﺷﺎح اﻟﺮﺋﺎﺳﻲ اﻟﺬي ﻣﻴﺰ رؤﺳﺎء ﺗﺸﻴﻠﻲ ﻃﻮال ﻗﺮﻧﻴﻦ ﻣﻦ اﻟﺰﻣﺎن، ﻟﻴﺴﻘﻂ ﻗﺘﻴﻼً ﻓﻲ اﻟﻘﺼﺮ اﻟﺮﺋﺎﺳﻲ راﻓﻀﺎً اﻟﺘﺨﻠﻲ ﻋﻦ ﺣﻘﻪ اﻟﺸﺮﻋﻲ.

ﺑﺪأ "ﺑﻴﻨﻮﺷﻴﻪ" ﻋﻬﺪﻩ اﻟﻌﺴﻜﺮي ﺑﻘﺘﻞ اﻟﺮﺋﻴﺲ، وﺗﻌﻠﻴﻖ اﻟﺪﺳﺘﻮر، وأﻋﻠﻦ اﻟﻤﺠﻠﺲ اﻟﻌﺴﻜﺮي ﺣﺎﻛﻤﺎً ﻟﺘﺸﻴﻠﻲ، وﻛﺎن في فترة حكمه اﻟﻌﺪو اﻷول ﻟﻜﻞ ﻣﻔﻜﺮي وﻛﺘﺎب أميركا اﻟﻼﺗﻴﻨﻴﺔ، وحرم اﻷﺣﺰاب اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ اﻟﻴﺴﺎرﻳﺔ اﻟﺘﻲ شكلت ﺗﺤﺎﻟﻒ أﻟﻠﻴﻨﺪي اﻟﺤﺎﻛﻢ، وﻣﺎرس اﻹرﻫﺎب اﻟﺴﻴﺎﺳﻲ، كما ﻃﺎرد اﻟﻴﺴﺎرﻳﻴﻦ ﻓﻲ ﻛﻞ أﻧﺤﺎء اﻟﺒﻼد.

من بدائع حكم "بينوشيه" أنه في فترة من الفترات لم يكن تماماً مقتنعاً بجدوى وجود معارضيه في السجون؛ فكان يشحنهم في طائرات عسكرية ويتخلص منهم بإلقائهم أحياء فوق قمم الجبال!

وﻧﺘﻴﺠﺔ ﻷﻓﻌﺎل حكومته ﻗﺘﻞ أﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﺛﻼﺛﺔ آﻻف ﺗﺸﻴﻠﻲ أو اﺧﺘﻔﻮا، ﻛﻤﺎ ﻋُﺬب وﺳُﺠﻦ قرابة الأربعين ألفاً، وﻧُﻔﻲ اﻟﻜﺜﻴﺮون، أو ﻫﺮﺑﻮا ﻃﺎﻟﺒﻴﻦ اﻟﻠﺠﻮء اﻟﺴﻴﺎﺳﻲ.

في اﻟﻌﺎم 1980 أُﻗﺮ دﺳﺘﻮر ﺟﺪﻳﺪ ﻟﻠﺒﻼد، واﺳﺘﻔﺘﺎء ﺑﻤﺮﺷﺢ واﺣﺪ ﻟﻠﺴﻠﻄﺔ، وتم تمرير الأمر لصالح الرجل.

أدى تزايد القمع إلى ظهور اﻟﺠﻤﺎﻋﺎت اﻟﺜﻮرﻳﺔ الشيوعية (ﻣﻴﺮ MIR) التي كانت تقوم بالعمليات النوعية ضد أفراد النظام، ولكن الرجل العسكري ذا الخلفية الأمنية كان يواجهها بكل قسوة وبلا رحمة.

ﻓﻲ العام 1986 اﻛﺘﺸﻔﺖ ﻗﻮات اﻷﻣﻦ ﺛﻤﺎﻧﻴﻦ ﻃﻨﺎً ﻣﻦ اﻷﺳﻠﺤﺔ اﻟﺘﻲ ﻫُﺮﺑﺖ إﻟﻰ اﻟﺒﻼد ﺑﻮاﺳﻄﺔ ﺟﺒﻬﺔ ﻣﺎﻧﻮﻳﻞ رودرﻳﻐﺰ اﻟﻮﻃﻨﻴﺔ (FPMR)، اﻟﺠﻨﺎح اﻟﻌﺴﻜﺮي ﻟﻠﺤﺰب اﻟﺸﻴﻮﻋﻲ اﻟﻤﺤﻈﻮر، ﻣﺘﻀﻤﻨﺔ ﻗﺎذﻓﺎت ﺻﻮارﻳﺦ، وﻣﻨﺼﺎت إﻃﻼﻗﻬﺎ، وﺑﻨﺎدق إف 16، واﺷﺘﺮك ﻓﻲ ﺗﻤﻮﻳﻞ اﻟﺤﺮﻛﺔ دول أخرى ككوبا ﻣﻊ أﻟﻤﺎﻧﻴﺎ اﻟﺸﺮﻗﻴﺔ والاتحاد اﻟﺴﻮﻓﻴﺘﻲ، وفي ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ/أيلول ﻣﻦ اﻟﻌﺎم ذاﺗﻪ اﺳﺘﺨﺪم ﺑﻌﺾ ﻣﻦ ﻫﺬﻩ اﻷﺳﻠﺤﺔ ﻓﻲ ﻣﺤﺎوﻟﺔ ﻻﻏﺘﻴﺎل "ﺑﻴﻨﻮﺷﻴﻪ"، ولكنه نجا منها ﺑﺠﺮوح ﻃﻔﻴﻔﺔ، وعلى أثرها زاد في قمع معارضيه وقطع رؤوس ثلاثة من قادة المعارضة الشيوعية، وبدا لشعبه في هيئة الزعيم الذي لا يقهر.

ﻧﺠﺤﺖ تحالفات اﻟﻤﻌﺎرﺿﺔ ﻓﻲ ﺗﻨﻈﻴﻢ ﺣﺮﻛﺎت اﺣﺘﺠﺎﺟﻴﺔ واﺳﻌﺔ في إطار حرب اللاعنف التي انتهجتها، كما كانت تتعامل بمرونة فائقة في فعالياتها، في إطار مسؤول يحفظ للأنصار حيواتهم، فأﺟﺒﺮت "ﺑﻴﻨﻮﺷﻴﻪ" ﻋﻠﻰ التحاور وﺗﻘﺪﻳﻢ ﺗﻨﺎزﻻت بدت ﻣﺘﻮاﺿﻌﺔ للغاية وﻗﺘﻬﺎ، وﻣﻨﻬﺎ مثلاً اﻟﺴﻤﺎح ﺑﻌﻮدة ﻣﻌﻈﻢ اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﻴﻦ اﻟﻤﻌﺎرﺿﻴﻦ ﻣﻦ اﻟﻤﻨﻔﻰ، واﻹﻓﺮاط ﻋﻦ اﻟﺴﺠﻨﺎء، ووﺿﻊ إﺟﺮاءات ﻟﻠﺤﺪ ﻣﻦ اﻧﺘﻬﺎﻛﺎت ﺣﻘﻮق اﻹﻧﺴﺎن، واﻟﺴﻤﺎح ﻟﻸﺣﺰاب ﺑﻤﻤﺎرﺳﺔ ﻧﺸﺎﻃﻬﺎ، واﻟﺴﻤﺎح ﺑﺈﺻﺪار اﻟﺼﺤﻒ والمجلات، وإﻗﺎﻣﺔ ﻣﺤﻄﺔ إذاﻋﻴﺔ ﻣﻌﺎرﺿﺔ، وفرصة لظهور المعارضة بتلفاز الدولة الرسمي لم تكن تلك المدة تتجاوز الخمس عشرة دقيقة!

وبقدر ما كانت تلك الانفراجة السياسية متواضعة للغاية؛ فإﻧﻬﺎ ﻗﺎدت ﻓﻲ اﻟﻨﻬﺎﻳﺔ إﻟﻰ إﺳﻘﺎﻃ حكم الرجل!

فبعد فترتين رئاسيتين استمرت كل منهما ثمانية أعوام، حاول "بينوشيه" في اﻟﻌﺎم 1988 إقرار دستور يتيح له حكم البلاد طوال حياته؛ ﻟﻜﻦ اﻟﺒﻼد اﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻤﻮر ﺑﺎﻟﻜﺮاﻫﻴﺔ ﻟﻨﻈﺎمه، واﻟﻀﻐﻮط اﻟﺪوﻟﻴﺔ اﻟﻤﺘﺰاﻳﺪة، أﻋﺎدت اﻟﻘﺎﻋﺪة اﻟﻤﺪﻧﻴﺔ إﻟﻰ اﻟﺒﻼد ﺣﻴﻦ رﻓﺾ اﻟﻜﻮﻧﻐﺮس إﻗﺮار ذلك الدستور؛ فأجبر "ﺑﻴﻨﻮﺷﻴﻪ" - اﻟﺬي ﻛﺎن ﻻ ﻳﺰال ﻣﺤﺘﻔﻈﺎً ﺑﻨﻔﻮذﻩ اﻟﻜﺒﻴﺮ ﺳﻴﺎﺳﻴﺎً

وﻋﺴﻜﺮﻳﺎً أن ﻳﺘﻨﺎزل ﻋﻦ رﺋﺎﺳﺔ اﻟﺒﻼد لـ"باﺗﺮﻳﺸﻴﻮ أﻳﻠﻮﻳﻦ" اﻟﺮﺋﻴﺲ اﻟﻤﻨﺘﺨﺐ ديمقراطياً، وذﻟﻚ ﻓﻲ اﻟﻌﺎم 1990، بعد فترة حكم استمرت سبعة عشر عاماً!

"التجربة التشيلية من بينوشيه إلى الديمقراطية" تجربة جديرة بالدراسة؛ كتب عنها "محمد صادق إسماعيل" كتاباً حمل ذات العنوان، وتناول فيه سرداً للأحداث ووقوفاً عند أهم عوامل ذلك التحول الديمقراطي، وﻳﻘﺪم اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ اﻟﻌﺒﺮ واﻟﻌﻈﺎت، اﻟﺘﻲ ﻻ ﻳﻨﺘﻔﻊ ﺑﻬﺎ إﻻ ﻣَﻦ ﻳﺴﺘﻮﻋﺒﻮن دروس اﻟﺘﺎرﻳﺦ، وﻫﻢ ﻣﻊ اﻷﺳﻒ ﻗﻠﺔ ﺑﻴﻦ مفكري وسياسيي المعارضة التي لا ترى الأمر إلا من زاوية أيديولوجية ضيقة للغاية.

شتان بين المعارضة التشيلية المسؤولة التي سعت سلمياً بكل ما في الممكن لتعدل الأوضاع، وبين آخرين رفعوا من ذات السلمية شعاراً براقاً، ولكن في اتكالية لا مسؤولة وجمود لا متناهٍ وسذاجة مقيتة.

أفرق بين تعامل اللامسؤول وبين تعامل المسؤول أثناء الأزمات بمثال بسيط..
تخيل نفسك تسير ليلاً في منطقة غير آمنة وقطع عليك الطريق مجموعة لصوص بعد أن أشهروا في وجهك أسلحتهم، وبصوت رخيم خاطبك أحدهم: "ابرز اللي في جيوبك يا طِعِم يا نايتي"؛ ما الخيارات المتاحة لديك للتعامل؟
ما الخيارات المتاحة لديك في ظل هذا الاختلال في موازين القوى؟
ربما ستستسلم وتعطيهم كل ما يطلبون محافظاً على حياتك، وربما ستهرب مستغلاً مهاراتك الفردية، وربما ستخاطر وتواجههم مستغلاً قوتك العضلية.
ممتاز.. افعل ما يحلو لك واختر من بينها ما شئت.
ولكن ماذا لو قطع طريقك نفس المجموعة من اللصوص حاملين ذات الأسلحة في المكان نفسه، وأنت تصحب زوجتك وأطفالك؟! كم خياراً ستملك حينها وأنت تسعى للحفاظ على الحيوات؟!.
لا أعتقدك تملك أكثر من خيار واحد.
والسؤال هنا: في حالة تسليمك للصوص -المسلحين والأكثر عدداً- ما يريدون حفاظاً على حياة أسرتك؛ هل ذاك يعني إقرار البلطجة والسرقة؟! هل عنى ذلك أنك تؤيدها أو تشجع وجودها؟!
السؤال الآخر: إذا تنازلت للصوص عما يريدون.. هاتفك.. نقودك.. ساعتك.. سيارتك؛ ثم وجدتهم يريدون زوجتك، هل تدخل ضمن قائمة التنازل؟!
من المؤكد أنك ستكون وقتها مستعداً للتضحية بحياتك من أجل الدفاع عن عرضك.

إذن هناك دائرة من الثوابت التي لن تتنازل عنها، ولكنها للحصيف المسؤول دائرة ضيقة للغاية، وما خارجها من المتغيرات أمور لا غضاضة في التنازل عنها، ولكن فقط إن كنت مسؤولاً تعي جيداً أمور السياسة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.