المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حمزة محسن حسين Headshot

وكم ذا بمصر من "فوزي"!

تم النشر: تم التحديث:

يُحكى أنَّ ذَكَر نمل اصطحب خطيبته في نزهة بين أشجار الغابة، كان الخطيب الولهان يعدد لرفيقته إنجازاته ويسرد لها بطولاته، وهي تتابعه في شغف منقطع النظير، وإذا بفيل ضخم يمر بالقرب منهما محدثاً زلزالاً مريعاً بالمكان؛ ما أنتج حالة ذعر تمكنت من المخطوبة المسكينة؛ فاحمر وجه فارسها غضباً وتمكنت من ملامحه علامات التجهم والعبوس،

وأشار لها بيده محاولاً طمأنتها بأن الأمر كله بيده، وتحت سيطرته، ومن ثم انتفض من مكانه كالسهم صوب الفريسة.. انطلق في لمح البصر صوب ذلك الفيل الأخرق الذي كدَّر عليه صفو لقائه بمحبوبته.. دقيقة واحدة كانت كافية ليصل الفارس النبيل إلى رأس خصمه معتلياً إياها، وعلى مرأى منها ومسمع منه كان تشجيع مخطوبته.. وبعد أن وصل البطل إلى رأس الفيل، أخذ يدور حول رقبته مفكراً في الخطوة التالية ومندمجاً مع صوت تشجيعها وهي تصيح: "اخنقه يا فوزي"!

كم ذا بثوار مصر من "فوزي"، ذلك الحالم الذي ناصب واقعه كل العداء، فشاهد الأوضاع من حوله -على غير حقيقتها- فقط كما يتمنى أن تكون، في سذاجة منقطعة النظير.

لـ"فوزي" بين صفوف الثوار آلاف المقاعد، والكارثة الكبري أن له بين صانعي القرار ومنظمي دولاب العمل نصيباً! ذلك الأخرق الذي تسمَّر أمام القطار متمتماً بآيات حفظ الله لعباده المتقين ومنتظراً حدوث معجزة تمنع عنه اصطدام القطار، ذلك الذي لم يمتلك من أدوات معركته سوى حنجور جهور وسيف مكسور، وبرعونة أخذ يصيح بكل الشعارات الحماسية الحالمة.

اليوم وبعد ست سنوات من صراع مقيت أعقب انتفاضة توهمها المعظم ثورة، فإنه مغفور لك أن تكون "فوزي"، فقط إن كنت في صفوف المتفرجين، تتناول حبات الفيشار، وتشجع اللعبة الحلوة.. أما أن تكون "فوزي" وأنت بالميدان تهتف بمطلب وتثور، فذنبك أقل غفراناً؛ لأنك ما بصرت اختلال الموازين وما راجعت أخطاءك، وتمارس ذات الأمر بنفس الطريقة متمنياً حدوث نتيجة مغايرة!

أما أن تكون صانع قرار ومحركاً لجمهرة من الناس وخاطاً لرؤية مستقبلية، ولا تزال النزعة "الفوزية" تسيطر عليك، فلا غفران لذنبك، ولا شكران لسعيك، فقد خاصمت "السياسة" على تعدد خياراتها، وآثرت صراعاً لم ولن تملك أدوات متابعته، وتوهمتَها معركة من لونين؛ نصر أو شهادة!

وإنني اليوم أتساءل: هل كان النبي -صلى الله عليه وسلم- مفرِّطاً حين تنازل في الحديبية عن بعض الأمور؟! هل أخطأ حين امتدح صنيع خالد بعودته بجيش مؤتة محافظاً على الجنود حين لاحظ اختلال الموازين؟! هل أخطأ حين أراد مصالحة غطفان -وهم المعتدون- على جزء من ثمار المدينة؛ ليكفوا عن المسلمين عداوتهم، ولينهوا محاصرة المدينة حين الخندق؟!

أتعجب كثيراً من تمسك الإخوان -كطرف أصيل في صراع اليوم حتى وإن ضعفت شوكتهم- بعودة الرئيس مرسي واعتبارهم لها ثابتاً دينياً لا مناص من التمسك به، وكأنما على عجلة التاريخ أن تتوقف عند ذلك الحدث، وكأنما على الزمن أن يتجمد تعاطفاً مع كربلائيتهم، وكأنما على غيرهم أن يحل لهم مشكلتهم -التي أقحموا فيها أنفسهم- وبشروطهم!

وبعيداً تماماً عن المكون الأخلاقي والقيَمي -وعلى أهميتهما- لطبيعة الصراع القائم الآن في مصر بين النظام ومعارضيه، فإن مكوِّنه الأكبر يحمل طابعاً سياسياً يتعلق بصراع على السلطة فشل فيه طرف في استحواذ أدوات بقائها فيما نجح الطرف الآخر.

بتلك البساطة ذاك توصيف حقيقة الصراع..

عرَّف ﺑﻦ ﻋﻘﻴﻞ الحنبلي -ت 513 ﻫ- السياسة على أنها "ما ﻛﺎن فعلاً ﻳﻜﻮن ﻣﻌﻪ اﻟﻨﺎس أﻗﺮب إﻟﻰ اﻟﺼﻼح، وأﺑﻌﺪ ﻋﻦ اﻟﻔﺴﺎد، وإن ﻟﻢ ﻳﻀﻌﻪ اﻟﺮﺳﻮل، وﻻ ﻧﺰل ﺑﻪ وﺣﻲ".

وإذا كان جوهر اللعبة السياسية -كما يورده أهلها- هو فن الممكن وفقاً لموازين القوى، وإذا كانت الإرهاصات تأتي تترا وتتتابع، وتتحدث عن أن البلاد تسير على شفا جرف من حرب أهلية وشيكة تنهار معها الدولة بمكوناتها؛ كما أشار إليها الأستاذ ياسر الغرباوي -مدير مركز التنوع لفض النزاعات- الذي أكَّد في كتابه "الهروب من الحرب الأهلية - مصر نموذجاً"، أن حالة الانسداد السياسي تُعَدُّ أحد المكونات الأساسية للحروب الأهلية، فإنه على أطراف الصراع أن يفيقوا سريعاً إلى خطورة الأمر.

اليوم بات الوطن أحوج ما يكون إلى مصالحة مجتمعية شاملة، تعلي من شأن الوطن وتتجاوز ذلك الصراع الذي تنتصر الدولة الآن في بعض جولاته ولكن ربما لن يدوم لها ذلك الانتصار ما تلاحقت المظالم وزادت على الناس الضغوط والأعباء.

للوصول لتلك الحالة من المصالحة المجتمعية، فإننا بصدد خطوتين أساسيتين؛ الأولى هي إيقاف الصراع، والثانية: تسوية سياسية تتبنى بناء الوطن ورد الاعتبار وإعادة الحقوق في إطار مظلة وطنية جامعة لا تقصي أحداً.

ومن مسوغات "إيقاف الصراع" أن يعترف المهزوم أولاً بهزيمته، وأن يبادر في حلحلة الوضع، وأن يكون شاغله ألا تُنقض أركان الدولة حتى وإن كان بها فناء خصمه، أيضاً على النظام ومعارضيه أن يتوقفوا عن التحريض وعن التراشقات الإعلامية التي تعمق الفجوة وتزيدها.

يتحدث الدكتور جاسم سلطان، في كتابه "التفكير الاستراتيجي والخروج من المأزق الراهن"، عن أبعاد عملية التدافع، فيقول:
"إن الانتقال -في حالة التعاون- بطرف من اعتبار نفسه طرفاً مهيمناً ويعمل بمنطق التوظيف إلى طرف مساوٍ يعمل بمنطق الشراكة هو أمر يحتاج إلى استراتيجية بحد ذاته"، ثم يضيف: "للنجاح في إقناع المنافس بالتعاون يجب:
1- تأكد من أن المنافس يدرك تماماً ما الذي سيكسبه من التعاون، وما تكاليف عدم التعاون.
2- ابتعد عن أي سلوك يحفز عواطف الطرف الآخر؛ حيث إن تصرفه بعقلانية ومنطقية هو المطلوب.
3- اقنع الطرف المقابل بأنك متمسك بموقفك وأنك عادل وواقعي فيما تطلب.".

أما عن المرحلة الثانية - عقد التسوية السياسية - فما أوفر أصحاب العقول الراجحة من أبناء الوطن ليقوموا بواجبهم في صياغة بنود مصالحة شاملة تعيد ترسيم العلاقات المدنية / العسكرية على المستويين السياسي والاقتصادي وفقاً لموازين القوى، وأن تعيد للجميع اعتباراتهم بما يسمح به الظرف وبما يناسب المرحلة.

على الثوار بكافة أطيافهم أن يفيقوا إلى أن إيلام النظام بأية عملية عسكرية محدودة، لن يزيده ذلك إلا وحشية وقمعاً؛ بينما إذا اتسعت رقعة تلك العمليات فستكون وقوداً مناسباً جداً لمعركة لن تتنازل الدولة -بحلفائها- عن الانتصار فيها، والنموذج السورى خير بيان لكل ذي عين.

ربما يرى البعض ذلك الطرح محل إجحاف وظلم للضعيف، ولكني أراها جولة سياسية على الخاسر أن ينسحب تكتيكياً، وأن يلملم فيها أوراقه مستعداً لجولة أخرى بطريقة مغايرة.

يتحدث الدكتور "جاسم سلطان" في كتابه "قواعد في الممارسة السياسية" عن فن المناورة فيورد خمسة خيارات للطرف الضعيف أن يختار بينها، أو أن يجمع بين بعضها، حسب ما تسنح له الظروف، فله أن يختار بين "الإذعان" أو تقديم "التنازلات"، أو "التجنب"، أو "المواجهة"، أو "المعالجة"، وفي كل خيار تفصيل لا يتسع المقام لبيانه.

المهم أن "السياسة" لا تعرف أبداً مقولات "ليس بالإمكان أفضل مما كان"، أو "نفدت الأسباب"، أو "الصبر مفتاح الفرج"!

دائماً عند غير الـ"فوزي" بدائل يختار من بينها إذا أراد.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.