المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حمودة إسماعيلي Headshot

كيف يتلاعب الفيسبوك بنفسيتك عاطفياً؟

تم النشر: تم التحديث:

يتضمن التفاعل الاجتماعي عدة أنشطة، كصداقات، تبادل اهتمامات، تعاون، بما في ذلك جذب الاهتمام وإبراز الذات ـ الجانب الذي قد يأخذ أحيانا شكلا مرَضياً ـ التفوق يجلب الاهتمام عندما يكون مقبولا، غير أنه يتحوّل لمهزلة إن لم يكن بأصالة التقبّل حسب إدراكات الناس بأنه شيء مثير (إيجابيا).

مواقع التواصل الاجتماعي ـ بما فيها الفيسبوك ـ شكل افتراضي مكمّل للتفاعل المقصود هنا. وطبعا بين الأنشطة التفاعلية الافتراضية لمختلف المستخدمين ـ من تبادل معلومات، أخبار، صور، إلخ..، قد تكشف تلك الأنشطة بالتأكيد عن جوانب نرجسية مرَضية (بالشخصية)، غالبية المستخدمين يسعون لترميم ذواتهم افتراضيا ليبدوأ أجمل وأفضل وأكثر بهاء مما هم عليه، غير أن ما يهمنا هنا هم الشخصيات التي تتجاوز الحد المتعارف عليه ـ حد التصرفات العادية بالنظرة العامة ـ وهي النوعية التي تكشف عن سلوكيات تثير السخرية، فتقوم بإضحاك وتسلية الفئة الباقية من مستخدمي الموقع! وحتى أُلمّح لنقطة مهمة، وهي أن تواصلنا التفاعلي الهدف منه ـ وطبعا في حالة إثارة الاهتمام والتأثير ـ هو رد فعل الإيجابي لدى المستخدمين، لا أحد، دون شك وبكامل قواه العقلية، سيرغب بأن يجعل من نفسه أضحوكة يتناقل خبرها الجميع! وللتأكيد فهناك فرق بين قصد الإضحاك (كإنتاج كوميدي متعارف عليه منذ مسارح أثينا قبل الميلاد) وبين السحر المنقلب على الساحر: أن تجعل من نفسك أضحوكة دون قصد، وتحاول تبريرها بأنك تلقائي أو كنت تتعمد إضحاك الناس. هناك تفسير أكثر إقناعا، وهو رغبة جامحة بإثارة الاهتمام بأي شكل، حتى لو كان على حساب تشويه الذات وجعلها مثيرة للسخرية، قد تدفع بعض المستخدمين للإشفاق عليك، وآخرين للخجل بدلا عنك (كتمقص لو أنّ هم من كانوا في موقفك!).

إن تواجدك في غرفة لوحدك، متصلا بالشبكة الافتراضية وما تعرضه هذه الأخيرة من مختلف الأنشطة: مثيرة ومضحكة ومدهشة ومنفرّة ومحزنة ومفرحة، بما في ذلك تأثيرات المستخدمين لأنشطتهم الشخصية من صور، مقاطع فيديو، أماكن تواجدهم، خواطر ـ تجذب ردود الفعل ـ قد تقوم (سواء كنت محششا أو فقط مغفل) نتيجة خيالك المشحون بأنك عظيم (كتعويض لإحساسك بأنك مهمل وليس لديك ما يثير الإعجاب!) بتنزيل مقطع تتفوه فيه بأسوء الحماقات أو تقوم فيه بسلوكيات مخزية. وإذا كنا من جانب ما نعتبر أنفسنا عقلاء وحكماء، بمعنى أنه لا يُعقل أن نقوم بتلك السخافات التي نسخر منها لدى قيام المغفلين بها، فإننا على خطأ، بالمجمل نحن لا نختلف عنهم، سوى بتوفر محيط ملائم وضغط نفسي أشد: حتى تنطلق بخيالك المشوّه معبراً عن ذاتك، مع متمنيات حصد اللايكات والتعليقات والمعجبين!

يسعى النفسيون لتوجيه الناس لما هو أصح أو أضمن لنفسياتهم، وهو خطأ كبير، بالنسبة لي لا يتعلق الأمر سوى بتقديم توضيحات ولكل شخص حرية أن يفعل ما يحلو له، في الأخير كل شيء سيعود له أكان إيجابيا أو سلبيا، لكن هناك من يهمهم فهم جوانب المواضيع التي يتعاملون معها لمساعدتهم في التحكم في ذواتهم وسلوكاتهم وإدراكها. لكن إن كنت عاطفيا ـ حتى من يعتبرون أنفسهم غير عاطفيين هم كذلك غير أنهم مكبوتون (يكبتون عواطفهم)، فبالأخير كلنا عاطفيون: الفرق فقط بين عاطفي واعٍ (بعواطفه) وآخر مغفل! لذلك إن كنت عاطفيا سيهمّك أن تدرك أن الموقع يؤثر في عاطفتك وقد يدفعك نحو تصرفات لا تعيها أو يُمكّن الموقع من التلاعب بنفسيتك، كتسوّل للعطف على سبيل المثال؛ ففي إشارة لجوشوا هارت (أستاذ في علم النفس) حول هذا الموضوع يقول: "يشعر المضطربون عاطفيا (أزمة/نقص عاطفي) بالسعادة والرضا عندما يحصلون على الكثير من التعليقات، وردود فعل الآخرين على ما يقومون بنشره، ويشعرون بالتعاسة عندما يولّد نشاطهم على فيسبوك القليل من الاهتمام.. طالما أنهم أكثر حساسية لردود الفعل. إن حاجة بعض الناس إلى الكثير من الطمأنينة بأنهم محبوبون وحساسون جدا لآراء الناس الآخرين عنهم، جعلهم يتجهون إلى الفيسبوك". إنه "غزو البلهاء" بتعبير السيميائي أمبرتو إيكو.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.