المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حمودة إسماعيلي Headshot

خطورة الإنسان.. السايكوباثوس أو الروح المعذبة

تم النشر: تم التحديث:

يختلف الشخص السايكوباثي عن المجنون بأنه "مجنون غير ظاهر"، فالسيكوباثي ـ Psychopathe ـ هو الشخص الذي يعاني نفسيا (سايكوباثوس بالأصل اليوناني تعني: الروح المعذبة). ما معناه أن نفسيته متضررة ومع ذلك تتكيف بالوسط الاجتماعي دون إبراز الضرر الداخلي بشكل واضح. عكس المجنون، المجنون هو سايكوباثي ظاهر، فإذا طلبت منك أن تعرّف المجنون: تلقائيا سيذهب عقلك لتذكّر بعض المجانين الذين عرفتهم أو تعرفهم أو سبق لك رؤيتهم، وهم بطبيعة الحال الأشخاص الذين يقومون بتصرفات غريبة وليس لها تفسير، لأنها لا علاقة لها بالتصرفات الطبيعية المتوقعة من البشر. فشخص يركض عاريا، ويضع فقط ربطة عنق في الشارع بالصباح الباكر، مباشرة سيوصم بالجنون، لأننا لا نتوقع من الناس الذهاب للعمل بتلك الطريقة.

السايكوباثي ليس هكذا، لأنه شخص مختل لكنه يبدو عاديا ولا يثير أي شكوك حوله. فإذا كان المجنون لا يدرك جنونه: فالسايكوباثي مجنون يدرك جنونه لكنه لا يعتبره جنونا، بل جنونه بالنسبة له تصرف سليم، لكنه لن يكشف عنه ـ لإدراكه أن الآخرين لن يتقبلوا نوع سلوكه الجنوني ـ لهذا وحينما يجد الفرصة أو القدرة للكشف عن جنونه، فإن إدراكه هنا يعتبر مبررا منطقيا (حسب منطقه) لما قام به. وهذا ما يقوله المجرمون المختلون حينما يتم القبض عليهم، فهم لا يرون أنهم ارتكبوا جرائم أو أمورا شاذة، بقدر ما يرون أنهم تصرفوا بالشكل السليم.
لكن حسب مفاهيمهم ـولكل سايكوباثي مفاهيم خاصةـ فإن الجموع لا تدرك أهمية ما قاموا به، ولا تقدر شخصياتهم العظيمة والمتميزة.

إن الشعور بعدم الارتياح النفسي، يعتبر رد فعل طبيعي بالمحيط غير المريح، وطول مدة الشعور بعدم الارتياح النفسي: يؤثر على الهيكل الانفعالي للإنسان ـفيصبح الإنسان هنا منفعلا. ينفعل لأدنى سبب لأنه يشعر بأن ضغوطا ممارسة عليه، وبذلك ينفجر كطرد لأقل ضغط ينضاف للضغوط التي يتحملها. وكثير من الناس يشعرون بأن ضغوطا ممارسة عليهم في ظل النظام الاجتماعي العولمي الذي نعيشه، والذي يصطدم فيه الأفراد بضخامة بناياته وقوة تكنولوجياته ما يفضح العجز الخاص بالإنسان ككائن صغير طالما أنه لا يمتلك وسائل السيطرة على هذه القوة، فتنقلب عليه كسلطة بيد المسيطرين عليها ـ كخصوم: فالقوي إذا لم يحم الضعيف، يعتبر بالنسبة للضعيف خصما (تهديد) يجب أن يحتمي منه.

السيكوباثي أخطر من المجنون، لأن المجنون يكشف عن رغباته بعد أن خلق لها واقعا لتتنفس، وترك الواقع الحقيقي لأنه يكبح جماحه. السايكوباثي يحاول أن يغير الواقع الحقيقي ليلائم عقله: بهذا يدمره. الأول (المجنون) يعيش واقعا مغايرا لهذا يبدو مختلفا وغريبا، أما الثاني (السايكوباثي) فيسعى لإسقاط واقعه على الواقع لهذا لا يبدو مختلفا. لأننا جميعا نحاول ذلك، الإشكال هو في أن الناس يرغبون بأن يسقطوا واقعا يلائمهم والآخرين، أما السايكوباثي فيسقط واقعا لا يلائم إلا ذاته. لأنه مصاب بالجنون.

اعتبر العرب أن الجنون من الجِنة أي الجن، وبه فالمجنون هو الذي يتلبسه الجن، فيصبح الشخص هو (كجسد) لكنه كسلوك ليس هو، وهو ما يدفعه للقيام بأمور لم يألف الناس أن يروه يقوم بها، فهو "هو" وفي نفس الوقت ليس "هو"، أي لم يعد هو كما "هو" (كما كان). السايكوباثي غير واضح لأنه لا يبدو أن كيانا آخر تلبسه أو سكنه ليدفعه للتصرف بغربة، لازال هو نفسه: إنه لا يتصرف بجنون إلا في الخفاء، السايكوباثي "مجنون لا أحد يراه".

السايكوباثي شخص يبدو اجتماعيا لكنه بالعمق انعزالي، كأنه يخشى الضوء أو أن يبدو واضحا ويحرص كذلك على تجنب ملاحظته ـ حتى لا ينكشف المجنون الذي يسكنه، لأنه يعرف أنه يسكنه. السايكوباثي شخص يبدو هادئا وطيبا، لكن الغريب فيه هو انفعاله الواضح لأقل وأتفه الأسباب. وما يكشف حقيقته هو الوقوف ضد مصالحه.

حينما تقف ضد مصلحة صديقك أو تتسبب له في مشكلة، قد يغضب أو ينزعج لكنه سيغض النظر عن ذلك؛ السايكوباثي لن يغض النظر عن ذلك: سيجن جنونه وستلاحظ ذلك.

إننا سايكوباثيون بطريقة أو بأخرى، إننا نغضب، ننزعج، نكره، ونفكر في إيذاء من نكرههم، لكننا لن نقوم بتدمير العالم إذا توفرت لأحدنا الفرصة أو القدرة على ذلك حتى لو عبّرنا عن هذا في لحظة انفعال ـ السايكوباثي يعنيها وقد يقوم بها إذا توفرت له الفرصة: وهذا هو السر في اختلافه.

* من كتاب خطورة الإنسان.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.