المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حميد سعيد عقبى Headshot

فيلم "كورنيش كنيدي" للمخرجة الفرنسية دومينيك كابريرا

تم النشر: تم التحديث:

شباب الضواحي ليسوا فيروسات ولا صراصير يجب إبادتهم

عندما يتم دعوتنا إلى فيلم عن شباب الضواحي الفرنسية، فإننا قد نخاف مشاهدة أكليشات تتكرر وصور نمطية يرددها الإعلام المرئي في عشرات البرامج الوثائقية، ويصور لنا هؤلاء كشواذ يحترفون السرقة وترويج المخدرات والتحرش الجنسي ويعيشون واقعاً بائساً ومزرياً يضج بالعنف والضياع، هذا هو الواقع للأسف، ولكن السينما تختلف عن التلفزيون؛ كون بعض التجارب تحاول تلمُّس روح الشخصيات وتعطي لها المساحة لتعبر عن قلقها وحلمها الإنساني دون الزج بها خلف القضبان ومحاكمتها.

سحر المكان ودلالاته

دومينيك كابريرا نقلت بذكاء رواية الكاتبة ميليس دو كيرنجا، دفعها حب مدينة مارسيليا الساحرة التي تعشقها، وهذه البقعة كورنيش كنيدي لها مذاقها الخاص، وتقاسيمها الجغرافية تبدو كأنها لوحات تشكيلية ذات معانٍ إنسانية عميقة، المسألة لا تقف عند المكان فحسب؛ لهذا الفضاء ضوؤه الخاص، ويحيط به الأزرق، والأهم من ذلك هو الروح التي تشغل المكان وتتحرك في فضائه، هذه الأجساد الشابة لها جمالياتها وهي في ملابس السباحة، تارة تقفز إلى البحر من أعلى الكورنيش، وتارة تتسلق الصخور ثم تعود إلى البحر، ثم تراها تضحك وتلهو بعيداً عن واقعها المتخم بالبؤس والفجائع، هي هنا تشعر بحريتها المطلقة، هذه المجموعة من شباب وشابات الضواحي المتعبة، هي هنا تحاول أن تلتقط لحظات سعادة في حضن ضوء الشمس، وعلى صدر البحر يرتمون ويسرقون من الزمن بعض الفرح الطفولي.

شاهدت الفيلم في أمسية خاصة، وبحضور المخرجة دومينيك كابريرا، التي تحدثت عن عدة قضايا وعناصر مهمة، ويمكن تلخيص فهمي الخاص لما طرحته المخرجة خلال مراجعتي لهذا الفيلم:

مدينة مارسيليا وشباب ضواحيها

صرحت المخرجة بأن أهم ما ركزت عليه في السيناريو هو مدينة مارسيليا وشباب ضواحيها وقيادتهم إلى ملعب الفيلم، ولذلك فقد بحثت وتعرفت على الكثير من الشباب والشابات، وتحدثت معهم إلى أن عثرت على هذا الفريق قرب جسر كنيدي وهم يمارسون هواية القفز المرعبة والممنوعة، وفعلاً تحدثت معهم وعرضت عليهم مشاركتها، في البداية لم تجد ترحيبهم وظلت تتصل بهم، وفعلاً نجحت في إقناعهم وكانت خطوة جيدة للفيلم، ثم تعددت جلسات العمل وخضعت المجموعة لتدريب مكثف في التمثيل، وهنا بداية حقيقية للفيلم، وتمت صياغة الحوارات لتناسب الشخصيات، وتأتي من أفواههم وواقعهم وتسهيلها بكل الوسائل.

بعد هذه التجربة بعض هؤلاء الشباب توجه ليخوض تجارب سينمائية ومسرحية جديدة، والبقية عادوا إلى حياتهم العادية.

أحلام طفولية ولحظات التحرر

شرحت المخرجة أنها حاولت معرفة ما لا تعرفه عن شباب ضواحي مارسيليا، وأن يكون الفيلم مساحة للتعرف عليهم وجعلهم يعرفوننا بأنفسهم، الفيلم حاول أن يبتعد عن الصور والأحكام الجاهزة والمتداولة حولهم، هنا توجد رحلة نزيهة ومحايدة في حياة هذه الشريحة الاجتماعية، ويعكس وجهة نظرهم ويصور أحلامهم الطفولية ولحظات التحرر من كل القيود، هم هنا شبه عراة، نشعر أن هذه الأجساد الجميلة بداخلها قلوب طيبة تحب الحياة والمغامرات، فهي لا تأتي هنا للتخطيط لجرائم، هذا المكان جنتهم؛ حيث الحرية والمتعة والشعور بالكيان الداخلي، هو مكان طاهر وحالم يتسع ويرحب بهم دون أن يميزهم أو يحاكمهم، كما ربما يحدث في الأماكن الأخرى، هنا البحر والصخور والشمس والهواء الكل يفتح ذراعيه لهذه النماذج الإنسانية، وكل هذه العناصر ترسم لوحة فردوسية مدهشة.

هذا الفريق لم يعمل بالفيلم طمعاً بالمال، ولم تكن هناك مغريات كثيرة، هم عملوا لرؤية أنفسهم عبر الشاشة الكبيرة وعكس وجهة نظرهم وعرض حياتهم، تعترف المخرجة بأن التجربة مدهشة وتعلمت من خلالها أشياء كثيرة ومعرفة هولاءِ الشباب هدية ثمينة تفتخر بها، وبفضل هؤلاءِ الشباب ستتغير وجهة نظرنا تجاه شريحة اجتماعية قد يخاف منها البعض، وكل هذا نتيجة الجهل بهم، بالطبع نحن مع واقع بائس يجب مده ودعمه بعناصر الحياة والحب، وليس رفضه وازدراءه كوننا نفتح جبهة خطيرة مع شريحة تمتلك قوة كبيرة، تمتلك شجاعة خارقة، ولا تعرف الخوف، علينا أن نستوعبها، ونستفيد منها لبناء المستقبل.

طريقة عمل المخرجة الفرنسية دومينيك كابريرا مبنية على المشاركة، عادت لتكتب مع ممثليها السيناريو، وهكذا حفظوه كونه عملهم ونابعاً منهم، ولعلنا نُحسّ بتلقائية وبساطة لكنها عميقة ومعبرة بعيدة عن التصنع المزخرف، أو الأداء المتكلف، وهذه ميزة مهمة أعطت للفيلم حرارة ودفئاً إنسانياً ممتعاً وصادقا.

تفاعل كيميائي عاطفي وإنساني

جوهر الفيلم هو أنه يقودنا إلى هذه الأرض الساحرة الجميلة التي تطل على البحر، وهو المكان الذي يصبح واحداً من الشخصيات ومعها، فهي تسكنه وهو يعيش فيهم، كورنيش كنيدي ليس شارعاً عادياً، له تضاريسه الخاصة، فهذه الصخور والجدران والمياه الزرقاء هي مشهد حياتي يعاش كل يوم، وهذه القفزات ليست مجرد حدث، ففيها الكثير من الجمال والتشويق والمغامرة. كل هذا، حاولت المخرجة تجسيده بشكل واقعي دون مبالغات أو تهويل، وكذلك نلمس العناصر الحسية والعاطفية، ونكون في باحة هذا المتحف التشكيلي الانطباعي يحضر بكل ألوانه المثيرة وروحه الإنساني الشاب.

بعض الأفلام تمتاز بروحها الخاص والحساسية، وهنا نجد دقة وعمقاً في رسم الشخصيات الفاعلة؛ لذلك من الطبيعي أن نصاب برجفة ونحن نعايش هذا الواقع وتلك الرجفة التي تصيب ضابطة الشرطة في نهاية الفيلم، هي رجفة المخرجة التي تعترف بأنها خاضت مغامرة، وأحست بالخوف في كل مرحلة، في هذا الفيلم الحساس، قد نتعرض للدوخة ورجفة عاطفية، لا شيء يزعج الإنسان كالقلق والضغوطات النفسية وكذلك الأحكام المسبقة والإهانات.

المخرجة تدعو إلى فرجة بقلب خصب وعيون ليس عليها غشاوة، فيلم محبوب بلا حدود يقودنا نحو شخصياته ولاعبيهو فنحن مع عالمين مختلفين: شباب الضواحي بكل وجعهم وحلمهم وبؤسهم، والشابة المراهقة سوزان التي جاءت من حي الفيلات الراقية والمدرسة الخاصة، وكذلك القلق والملل والرغبة بخوض مغامرة، ولعل هذه الرغبة سهَّلت هذا التفاعل الكيميائي العاطفي الإنساني الذي حدث، ويجعلنا الفيلم شهود عيان، هنا المخرجة تلتقط بدقة واقعية الحياة والمجتمع مع دقة قبضة من الخيال والكثير من الأحاسيس الوجدانية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.