المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حمدي خليفه Headshot

بطل الحرب وضحية السلام

تم النشر: تم التحديث:

"بطل الحرب وضحية السلام" تلك العبارة الغريبة عن الأسماع هي الأصدق حينما تحل ذكرى حرب السادس من أكتوبر/تشرين الأول، فالعبارة الأشهر وذائعة الصيت التي سطرها المحللون، ودشّنها الإعلام، وتغنت بها الأفلام، وتصدرت عناوين الصحف والمجلات (بطل الحرب والسلام).. خاض حرباً وصنع سلاماً أيضاً.

نظرة سريعة كضوء البرق نلقيها على من خاض حرباً وصنع سلاماً، كان القدر مكتوباً لي أن أقضي فترة خدمتي في القوات المسلحة المصرية فى منطقة من أهم المناطق التي كانت محوراً رئيسياً فى حرب السادس من أكتوبر، ومن أكثر أماكن تواجد القوات الإسرائيلية فى عمق سيناء؛ حيث منطقة أم خشيب ومنطقة بئر التمادة، ومنطقة صدر الحيطان، إذا قرأت قليلاً عن أهم النقاط التي اكتسبتها مصر في غضون حرب السادس من أكتوبر، فسوف تجد تلك الأماكن التي ذكرتها إضافة إلى منطقة المليز وغيرها الكثير.

دعونا نعود مرة أخرى إلى تلك المنطقة التي أمضيت فيها عاماً كاملاً، وكانت من محاور حرب أكتوبر العظيمة.. مع غسق الليل المظلم وبداية ظهور شفق الشمس والنهار والبرد القارس في تلك الفترة من الشتاء، نصطف جميعاً أنا والجنود في الطابور، نبدأ بالتدريبات، وصيحات الجنود في صحراء سيناء تتعالى، وهتاف دائم يومياً نردد فيه بصوت عالٍ وحماسة ملهبة: ٦ أكتوبر نصر عظيم، يوم ما هزمنا إسرائيل، ويحيا العاشر من رمضان، يوم ما هزمنا الاستعمار.

ينتهي الطابور والتدريبات العسكرية بعدها بساعات لا بل سويعات تعد على أصابع اليد الواحدة، تأتي UN سيارة فخمة على باب المعسكر يرفرف على مقدمتها علم يتوسطه شعار الأمم المتحدة، ومكتوب على السيارة بالخط العريض حرفان فقط.

بسرعة يخرج حرس البوابة فيلغي كل البروتوكولات المتعارف عليها لدخول أي سيارة غير تابعة للوحدة للتفتيش، فتلك السيارة لا تقف ليتم تفتيشها، ولا تنتظر لأخذ الإذن من ضابط الأمن، فهي تدخل مباشرة متخطية كل تلك الإجراءات، ينزل زجاج السيارة قليلاً فترى مجموعة من الضباط ذوي رتب مختلفة وجنسيات مختلفة كذلك، فهذا فرنسي، وتلك ألمانية، وهذا أميركي، وذاك إيطالي، يمرون بين مباني الكتيبة يتفحصون الوضع، والأهم من ذلك يأخذون بيانات عن تعداد الجنود بالوحدة وعدد الآليات والأسلحة وأنواعها!

ترى في ذلك المشهد البسيط الذي حاولت أن أوصله إلى مخيلتك أليس هذا هو السلام الجميل الذي صنعه لك بطل الحرب والسلام معاً؟ هل هكذا تخضع تلك الأرض تحت سيادتنا؟

أو لربما هذا قد يكون تفسيراً لمن يبحث عن تفسير لماذا لم تعمر سيناء بعد مرور أكثر من 45 عاماً على ذكرى الانتصار العظيم؟!

إن ذلك المشهد من صنعه هو (بطل الحرب والسلام معاً)، الذي أصر على عدم استكمال الحرب، وأخضعنا للمفاوضات التي انتهت بقطيعة من الدول العربية بالإجماع لمصر، ونقل مقر جامعة الدول العربية لأول مرة من مصر، وتعليق عضوية مصر لست سنوات في الجامعة العربية، بالإضافة إلى استقالة اثنين من وزراء خارجية مصر احتجاجاً ورفضاً للاتفاقية، وأخيراً فإن الخروج الإسرائيلي الكامل من سيناء كان عام 1981 بينما كانت حرب أكتوبر فى عام 1973، بالفعل 6 أكتوبر نصر عظيم!

لذلك كان من الأجدر بِنَا والأحرى بي أن ألقي الضوء وأسلطه على بطل الحرب حقيقة وضحية السلام واقعاً... الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان القوات المسلحة المصرية إبان حرب السادس من أكتوبر، إنه بطل حقيقي في التخطيط والإعداد لتلك الملحمة الكبرى، وحرب الـ6 أيام الضروس بشجاعته المعهودة، وذكائه المشهود، وأدائه الراقي، وضحية السلام فقد غدر به وتمت تنحيته من منصبه، والحرب فى أوج قوتها وضراوتها لماذا؟!

لأنه أراد انتصاراً حقيقياً لمعركة المصريين وإرادتهم؛ لأنه كان يعلم أنه قد لا تتسنى لمصر فرصة أخرى كتلك الفرصة الموجودة من تجمع عربي موحد، ودعم مادي ومعنوي من قِبل الدول والجيوش العربية، وأن بلادنا لم تكن قادرة أو تتحمل خوض حروب مرة أخرى على الأقل في السنوات العشرين بعد الحرب.

حاولت البحث في أرشيف الصحف والمجلات بالقوات المسلحة عن دور ذلك الرجل فلم أَجِد ذكراً له إلا على استحياء فيا ترى لمَ ذلك؟!

بطل الحرب وصاحب الدور الأبرز فيها لا يعلو اسمه ولا يذكر اسمه، والأمرّ من ذلك اعتقال الرجل ومن ثم إبعاده إلى الجزائر، وأخيراً نفيه إلى فرنسا ليقضي فيها بقية عمره حتى توفاه الله فى منفاه، لكن تاريخ وفاة الرجل أعتبره عبرة لمن أراد أن يعتبر، فقد توفي فى يوم الثاني عشر من فبراير/شباط من العام 2011، أي بعد تنحّي مبارك بيوم!

أرى هنا رسالة من الله للرجل فقد أراه موت من فعلوا به ذلك، وحذفوا اسمه من سجل البطولات ومنعوا وسمه من الظهور على الشاشات، فقد مات من عزله وحبسه السادات، وعاش الرجل، وتنحى فى موقف ذليل لمبارك الذي سرق الانتصار الذي صنعه الرجل.

لذلك فقد كان الرجل هو كبش الفداء لعملية السلام المزعومة، فاستحق عن جدارة لقب: بطل الحرب وضحية السلام.. رحم الله الفريق سعد الدين الشاذلي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.