المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حمدي خليفه Headshot

المنسيون في بلاد ما وراء النهر.. هل حان الوقت لتسمعوا عنهم وتنشروا قضيتهم؟

تم النشر: تم التحديث:

المنسيون في بلاد ما وراء النهر.. هل حان الوقت لتسمعوا عنهم وتنشروا قضيتهم؟

حكايتنا اليوم ليست بحكاية جديدة أو حتى فريدة، لا بل بالعكس هي حكاية متكررة، لكن أبطال حكايتنا وروايتنا اليوم ما يميزهم، وما دفعني لأكتب عنهم هو طي النسيان الذي يخيّم حولهم وحول بطولتهم.. فتعالوا لنفسر معاً عنوان مقالنا.

إلى هناك حيث بلاد ما وراء النهر، في جوف صعيد مصر، تحط أنظارنا على قرية صغيرة، لكنها برجالها كبيرة، قرية يخيم عليها طي النسيان في صخب الأحداث، لكن أبطال قصتنا أعتقد أنهم يستحقون أن يكون لهم نصيب في هذا الصخب بما لهم من تضحيات وثبات وبطولة؛ لتكون حكايتنا هي القضية 28 عسكرية.

في تلك البلدة الصغيرة في جوف الصعيد في بلاد ما وراء النهر وضع أكثر من 65 شخصاً في تلك القضية العسكرية، جل هؤلاء، بل كلهم من وجهاء تلك القرية، بل من معلميها وأئمتها وشبابها وطلابها، تنكيل ومطاردة وتشريد ومعاناة لكل هؤلاء وأسرهم؛ ليبرز من بين الـ65 شخصاً (أربعة عشر اسماً) يستحقون أن تسمعوا عنهم، ونكتب لهم ونحكي روايتهم وتضحياتهم، ويسمع القاصي والداني عنهم، وتنشر عنهم وسائل الإعلام والصحف والمجلات.

لست أبالغ في الأمر مطلقاً، لكن أقول وبكل ثقة عن مواقف وبطولات سيخلدها التاريخ لهؤلاء ويحكيها أبناؤهم لأحفادهم، وستكون في يوم من الأيام قصة ورواية تتحاكى بها تلك القرية الصغيرة في بلاد ما وراء النهر، عن أبطال دفعوا من حريتهم وكرامتهم لينال وطنهم حرية وكرامة وعدالة.

فدعوني أقص عليكم جزءاً صغيراً وملمحاً بسيطاً عن الأربعة عشر رجلاً، أبطال تلك القصة والرواية..
شيخ قد بلغ الستين، قابع خلف القضبان منذ أكثر من عام مضى على ذمة هذه القضية، تحقيق ثم تجديد، هكذا الحال على مدار العام، ألم يراعوا سِنَّه أو حتى مرضه أو حتى شيبته؟ ألم يتأنب ضمير أحدهم من التهم التي يوجهها للشيخ الكبير في السن، والتي تحتاج لشاب يافع قوي يقوى على ارتكابها؟ أم أن الضمائر قد ماتت؟ لكن الشيخ المسن يحتسب كل ذلك في سبيل الله وفي سبيل رفعة وطنه.

أم نقص لكم عن الشيخ المعمم، الخطيب الماهر صاحب الصوت الندي والمميز، معاناة يعيشها إمام المسجد وخطيبه من تعنت في إدخال الأدوية إليه، هو الآخر مريض، لكن من يبالي بهؤلاء، إنه المولى -عز وجل- لا نحن، أو من يقبع خلف أسوارهم، فهل نالوا من عزيمته أو أثنوه عن رأيه بهذه الإجراءات؟ تتعجب أنه هو من يبعث برسالة إلى من في الخارج ليقول لهم "فرج الله قريب" فاطمئنوا.

وهذا المهندس الخلوق، صاحب الطبع الهادئ والخلق الرفيع المتميز في عمله، يشهد له القاصي والداني بأخلاقه مع بقية الرجال، موجود نعم، قاسية هي تلك القيود التي أنتم فيها، لكنكم تسطرون التاريخ وتكتبون حياة جديدة لأبنائكم.

وذاك هو صاحب الابتسامة الأستاذ الثائر والمربي الفاضل والقلب الكبير، خفيف الظل حتى في محنته؛ ليخفف عن أبطالنا بخفة ظله، له قصص وحكايات وبطولات لا يسع المقام لذكرها.

لنروي لكم عن الحاج والأستاذ والتاجر، نقي القلب وشديد الغيرة على بلده ودينه، وصاحب الكرم والشهامة والسخاء، فقد كان حرياً به أن يجلس وسط أبنائه وأسرته من دون مشقة أو تعب، لكن المبادئ لا تتجزأ، هكذا هم الرجال، وهكذا عهدناه.

فهل سمعتم عن الأستاذ البسيط والمصري الأصيل؟ ماذا ارتكب من جرم؟ وماذا اقترف من ذنب ليفعل فيه هكذا؟ قرابة عام كامل يسمع كلمة واحدة "استمرار" فهلا أنصتم قليلاً إلى ضمائركم قبل نطق هذه الكلمة؟

لنقف مع صاحب العقل الرزين والفكر المستنير الأستاذ المؤثر الخلوق والمحبوب رجل من خيرة أبناء البلدة ومثقفيها ماذا فعل؟ وماذا اقترف؟

أم أحكي لكم عن حافظ القرآن ومعلمه الشيخ الجليل صاحب الخلق والبسمة، فهل تذكرتم كم من الأطفال والأولاد والصبية الذين كان يعلمهم الشيخ قد توقفوا عن الحفظ أو تأثروا بحبس شيخه ومعلمه؟ فهل تلك هي مكافأة الرجل؟ لكنه رغم ما هو فيه يقول "إنه على ثقة كبيرة في نصر الله".

وهذا صاحب الوجه الباسم الأخصائي والمعلم الحليم صاحب القلب الطيب، والخلق الرفيع، مكافح من يومه، يدفع أيضاً من حريته وحرية أسرته ثمناً لحرية هذا البلد.

أما عرفتم هادئ الطباع المعلم الوقور، الذي لا تكاد تسمع له صوتاً، ذا فكر راقٍ وعقل واعٍ، حاله كحال أصدقائه، فهو جالس معهم يتذكر أيامه وأهله وأبناءه؟

أم أحدثكم عن معلم اللغة العربية وممتهن المهنة التي عليها قوام الحياة حاله كحال غالبية أبناء مصر يذهب لعمله في الصباح، ويعود ليعمل في أرضه وزرعه طيلة اليوم، فهل أخبرتموني ماذا ارتكب من جرم؟ أم أن جرمه أنه لم يكن إمعة وأصبح ذا رأي وفكر؟
أم أحدثكم عن شاب لا أعرف عنه سوى أدبه وأخلاقه ومن ثم فليس له علاقة بأحداث السياسة والسياسيين، فلماذا هو الآن في تلك القضية؟ وبأي سبب يعاقب؟ وأي جرم قد اقترف؟

أم عن الشاب الطموح الذي بدأ حياته ومستقبله بمشروعه الصغير يعمل فيه ليل نهار حتى أصبح يرى حلمه بدأ يتحقق، لماذا أفسدتم حياته، وعطلتم له طموحاته وأحلامه؟ أم أن مجرد رأي أو كلمة أصبحت تودي بصاحبها إلى الزج به في قضية عسكرية؟

هل تعرفوا الطالب المهندس؟ أول دفعته في الهندسة لثلاث سنوات المتفوق والخلوق، صاحب البسمة الصافية، طالب متفوق في مجاله تلك هي مكافأته، أن يزج به في السجون في أعتل القضايا العسكرية؟ هل سمعتم أن المنوط به أن يجدد له حبسه قد قال له في إحدى المرات: "أنا مش عارف أعمل إيه؟ وأقول لك إيه؟ كالعادة الأوامر تجديد الحبس".

أوجزت كثيراً في سرد تضحيات الأبطال المغمورين والمجهولين والبعيدين عن دائرة الضوء والإعلام، متمنياً أن يكون مقالي هذا عنهم هو شعاع النور الذي ينطلق في وسط الظلام الدامس؛ ليحكي عنهم وتسمع سيرتهم، وليعلم الجميع أن هناك الآلاف أمثال هؤلاء في صعيد مصر لهم قصص تروى وحكايات تكتب، لكن دائرة الضوء الإعلامي بعيدة عنهم وعن تضحياتهم.

سأحاول جاهداً أن أكون منبراً للأبطال الذين جهلتهم عدسات الكاميرات، وأقلام الصحافة والمجلات، فهل حان الوقت لتنشروا عنهم، وتكتبوا عنهم، ويسمع العالم صوتهم؟
انتهت قصة قصيرة من قصص بلاد ما وراء النهر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.