المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حمدي عبد الهادي Headshot

الحياة.. نبض

تم النشر: تم التحديث:

انطلق الفرح والألم يتسابقان على مضمار الحياة، أعلن مخاض الولادة عن انطلاق هذه المنافسة، تقدم في أول السجال الألم ببكاء الطفل الصارخ من هول الحياة، أو من الممكن أن شريط حياته قد تجلى له بين عيون فتحت لأول مرة بدموع.

لكن سرعان ما استرجع الفرح لياقته، وتقدم على نظيره الألم فور رؤية أجمل خلق الله، هي أم حملت طفلها لتسعة شهور مرت كأنها دهور، واستقبلته بكل سرور، فكانت هي عنوان راحته في كل العصور.

ويستمر تفوق الفرح على امتداد سنوات الطفولة، فحتى الألم في هذه سنوات أقصاه وجع حقنة، أو أب تفادى العناق، وكأنما كان يطور نفسه كل هذه السنين حتى إذا غابت براءة الطفولة كشر عن أنيابه، ومضى مسرعاً في مضمار الحياة، وأصبح نداً للفرح لا تعرف لمن ستؤول الغلبة.

فقد تتالت الأيام ولم يعد لتلك الضحكات البريئة النقية من القلب مكان في ملامح الوجه، هي فقط ابتسامات تداري الكلام الذي تشوبه مساوئ الإنسانية من حقد، ونفاق، وغبطة والقائمة تطول.

لكن دعنا نرى حال الفرح، وجدناه لا يختلف عن حال الألم، وكأن مضمار الحياة فيه لعنة التغيّر؛ إذ كتب على المتنافسين أن لن يستقر لهما حال، حتى الفرح تبدلت مفاهيمه، وتفاصيله، ومظاهره.

إن مضمار الحياة طويل، والمنافسة فيها بين الفرح والألم ستطول، ولكن قدر الله أن لهذا الطريق نهاية، فالدهر سيقبض تلك النفس، والموت سيطويها.

حين ذلك سيتبرأ الخصمان من ذلك الإنسان وسيتحولان إلى حكمين؛ كلاهما يهلل لانتصاره، فالألم يقول: "أنا أغلب ذكرياته، أنا حقيقة أيامه، أنا من بنيت جلّ أحلامه، أنا من علمته أن لا ينسجم عقله مع قلبه، أنا غدر ذلك الحبيب، أنا نفاق ذلك الصديق، أنا بكاؤه في ظلام الوحدة، أنا عدم الرضا عن واقعه المرير"، أما الفرح فيقول: "أنا من استحوذت على جلّ تفاصيل حياته، كنت أجمل ذكرياته، أيام نجاحه، نتيجة أحلامه، أنا جمال بدايات حبه، أنا حلاوة الاستئناس بصديقه، أنا رضاه بما كتبه الله له".

واشتدّت الخصومة فكل من الطرفين يرى ما لا يراه الآخر، كل يتفاخر بإنجازاته، وفي الأثناء اقتحم النبض هذا السجال كأنه شاهد على كل الأحوال، فقال بصوت متعالٍ: "أنا برهان الحياة، أنا الأمل، وجودي يعني أنه ما زال حراً، أما أنتما فما الفرق بينكما؟ لقد تحكمتما بكل تفاصيل حياته لم يعد يرى الحياة إلا فرحاً وألماً، حتى أنت أيها الفرح كنت خائناً لا تطيل البقاء، وإذا تعنتما على القول إن هنالك فرقاً، وبأنني أنا أيضاً هجرته وتركت الموت يتسلل لقلبه، فسأقول: إن جمعنا شيء فسيكون أن لكل واحد فينا نهاية، والفرق بيننا أن لي نهاية واحدة".

متسارعة دوماً خطوات هذه الحياة، لا تأبه لأحد، تمضي في سبيل الألم أكثر منه إلى الفرح، فنحن في زمن سوء الظن بالآخر حتى الجميل من الكلام مصدر شك، هذا نابع من موروث جديد قد ترسخ فينا، فلم نعتد على سماع ما طاب من الأحرف بدون مقابل، قد نكون مرضى، ولكنه مرض جماعي يصيبنا من أول وهلة، كلما احتككنا بواقع الحياة؛ لتصبح ثقافة حياتية.

ويأتي النبض كدواء لذلك المريض الطالب للشفاء، فالعاقل من استغل كل لحظة في التأمل في نبضه ويعتبر منه... أن يصمت ويستمع له، لصوت تدفق الدماء داخل شرايين الحياة... كل نبض هو يمثل فرصة أخرى للنجاح، فهو رمز الوجود، هو الفرق بين الحياة والموت... هذه اللحظات مهمة لكل إنسان ليفكر.. ويتفكر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.