المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حمدة خشتالي  Headshot

ضع بصمتك.. قبل الغروب

تم النشر: تم التحديث:

العذراء.. الصليب.. الكنيسة.. بيتهم الهرم.. لا يعرف شيئا من هذا.. كل ما يدركه هذا الطفل الجورجي بأحد الأزقة الجانبية للمدينة العتيقة بالعاصمة تبيليسي.. أن والده سيدخله البيت عند غروب الشمس.. لذلك يسعى جاهدا للاستمتاع بما بقي له من لحظات.. واللعب دون أو برفقة أصدقائه..

قليلة هي محطات الحياة.. التي تترك أثرا وتغير وجهة أو مصيرا.. وكل منا استفاد دروسا وعبرا من أخطائه.. لكن الأكيد أن حجم التغيير والأثر النفسي الذي تتركه الأحداث.. ليس مقترنا بمدى قربك أو علاقتك بها.. وإنما بتأملك وتفكرك في معانيها..

وجدت الوقت خلال آخر أيام إجازتي للتمعن في خبر وفاة البراء أشرف.. وأنا الذي صادفته مرة أو مرتين.. يترشف قهوة على أعتاب الجزيرة نت.. لم تتجاوز دردشتنا حينها السلام والسؤال عن العمل ومجرياته.. لكنها تخطت ذلك بكثير.. وأنا أطالع كتاباته التي شاركها الجميع بعد فراقه.. عما أراد من العالم قبل بلوغ الثلاثين.. وعن عمله الذي دمر حياته.. وغيرها من التدوينات التي عكست كثيرا مما يلوج بخاطري.. وكثيرا مما ترددت في نشره .. ولم أرى جدوى من مشاركته.. لأقف مجددا مع نفسي وأطرح جملة من التساؤلات.. بدأ أغلبها بـ "ماذا لو.. ؟"

ألا يطمح كل منا لترك بصمة أين ما حل؟ أليست الحياة قصيرة لنؤجل فرحتنا واستمتاعنا بها وتذمرنا ويأسنا منها؟ أيحجب الحرص على المثالية بعضنا عن إطلاق عنان الإبداع والتعبير عندهم ؟

كل ضباط الجمارك (الديوانة) بالمعابر الحدودية التي مررت بها دققوا بصورة جوازي، وسألوني "أهذا أنت ؟" حتى أن أحدهم استوقفني لأكثر من 10 دقائق ليتأكد.. نفس السؤال تبادر لذهني عندما راجعت كتاباتي بـ2011.. فليست ملامحي وحدها التي تغيرت خلال آخر أربعة سنوات.. بل قل، مالذي بقي على حاله خلال هذه الفترة ؟ التغير بنظر البعض هو التعلم الذي يساعد على مواكبة الجديد والانتقال من التبعية والتقليد الى الاستقلال والاجتهاد.. وهو تناقض وانفصام عند البعض الآخر.. وهو بالنسبة لي حالة أعيشها كل يوم.. فلا تجدني ثابتا متعصبا لأي رأي أو فكر أو شخص.. فتتقلب مواقفي حسب المكان والزمان والظروف.. لكنها قد تتكرر.. لثبات تلك العوامل..

نعم أتغير.. وأسعى أن أكون مثل ذلك الطفل الصغير.. منطلقا دون حسابات.. مدركا لحقيقة أن العمر وان طال قصير.. وأن الحياة مهما غلت رخيصة ولا تستحق.. نعم قد تغرب شمس كل منا قبل أن يضع بصمته في الحياة.. ولن يفعل ما دام خائفا ثابتا جامدا تابعا.. نعم علمتني الحياة

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.