المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

همام فاروق همام Headshot

"عالم أخر موازٍ لهذا العالم"

تم النشر: تم التحديث:

في يوم 26 يوليو عام 1945 تظهر نتائج الانتخابات البريطانية والتي جرت في 5 يوليو في نفس العام ويخسر الرجل الذي قاد قبلها بأشهر قليلة بريطانيا في الحرب العالمية الثانية للنصر أمام النازية والفاشية ونستون تشرشل رئاسة الوزراء لصالح كليمينت إيلي زعيم حزب العمال، كانت لسياسة وخطابات تشرشل الرنانة أثناء الحرب فضل كبير في نصر الحلفاء على دول المحور وصمود بريطانيا أمام هتلر.

لم يخرج تشرشل ويقل أنا من أتى لكم أيها البريطانيون بالنصر، أنا صاحب الفضل، وأنا الزعيم والقائد الملهم، بكل بساطة انتقل من مقعد الحكم إلى مقعد المعارضة في مجلس العموم، استجاب لقواعد اللعبة الديموقراطية ورحل لأن الشعب البريطاني رأى أن من قاده بجدارة وقت الحرب ليس بالضرورة قد ينجح في وقت السلم، وأن تشرشل قد فشل في مواجهة المد الشيوعي وقتها كما يجب.

تشرشل الذي قال: «خير لنا أن تخسر بريطانيا الحرب ولا أوقف تنفيذ حكم قضائي» لأن ناظرة مدرسة أقامت دعوى أمام القضاء تطالب بنقل مطار حربي إلى مكان آخر لأن أزيز الطائرات عند إقلاعها وهبوطها يحدث صوتاً يزعج الطلبة في المدرسة، لم يرسم تشرشل عند توليه الحكم أثناء الحرب العالمية الثانية لشعبه الأحلام والأوهام إنما قال "ليس عندي ما أقدّمه للشعب البريطاني غير العرق والدم والدموع"، تشرشل رغم رحيله منذ 50 عاماً يتصدر استطلاعات الرأي لأهم شخصية بريطانية حتى اليوم.

في يوم 29 أبريل عام 1969يتنحى الرئيس الفرنسي شارل ديجول رسمياً عن منصبه بعد إجراء استفتاء تم قبل استقالته بيومين حول حزمة من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية رفضها الشعب الفرنسي بنسبة 52% نتيجة إضرابات واعتصامات مايو 1968الطلابية والعمالية، يقدم الرجل الذي ينظر له في فرنسا على أنه الأب الروحي للجمهورية الفرنسية الخامسة والقائد العسكري الكاريزما الذي كان له دور هام ومؤثر في تحرير فرنسا من الاحتلال النازي، ومن رفض أي مهادنة أو تنازل مع المحتل لبلاده، وساهم في تطوير فرنسا خلال فترة رئاسته اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، استجاب لقواعد اللعبة الديموقراطية لأن الشعب قال "لا" في الاستفتاء الذي قال قبل إجرائه لو تم رفضه سأتقدم باستقالتي. فعلها ورحل.

في عالم آخر موازٍ لهذا العالم قد لا يكون لديك أي مؤهلات للحكم وإدارة شؤون البلاد لكن الإعلام وجماعات المصالح والبيزنس فجأة يصنعون منك الرئيس الضرورة، والزعيم الملهم، والقائد الفذ، والرمز الأسطورة، في دقائق سنعدل لك الدستور، نعمل استفتاء واثنين، والصناديق صناديقنا، والبلاد بلادنا.

في عالم موازٍ اتبع مقولة جوبلز وزير الدعاية النازية: "اكذب ثم كذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس" اخترع مشاريع وهمية، حروب عبثية، بيع الوهم، والكذب سيتم ترويجه للبسطاء، لا تكترث كثيراً بالمثقفين والكتاب سهل شراؤهم ولدينا المزيد، أما الشباب فإما الصمت أو الرحيل أو المعتقلات، في العالم الموازي لا توجد قيمة لشيء سوى حكمة ونباغة وتفكير سيادته، وعبقريته التي لا يوجد مثلها في البلاد، كثير من الأحداث تبكي بشدة من عبثية وضبابية الواقع.

في بلادنا لا توجد ديموقراطية حتى يتم احترامها، رغم الثورات والانتفاضات لم يتعلم أحد الدرس، لم يعِ أحد من دروس الماضي، مازال شعار الطغاة " أنا أو الخراب والفوضى" وفي النهاية رغم القهر والظلم والفساد، والدماء التي سالت وليل المعتقلات الطويل قد يكون هدأ بركان الثورة، لكن بعد الهدوء بركان هكذا علمتنا الثورات والحياة.