المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حليمة نزار صبرة Headshot

عندما تكون الطفولة آلامًا لا تنتهي!

تم النشر: تم التحديث:

قد تجدني ملقىً بلا معيلٍ على قارعةِ طريقٍ في اليمن، أو تنتعني بالمتشردِ في الجزائرِ، قد تبالغ في اشمئزازك من منظري وتصفني بطفلِ العشوائياتِ في مصر، ستراني في سوريا أفترشُ الطريقَ سريراً بعدما سقطَ منزلي إثرَ قذيفةٍ غادرة، وفي لبنانَ ستصرخُ في وجهي وأنا أحاولُ أن أبيعكَ بعض قطعٍ من الحلوى على إشاراتِ المرور، وسيبرز لكَ قفصيَ الصدري في الصومال، وفي بورما ستراني خائفاً أتّقي خطر الموت هرباً، وسيحز في نفسكَ عندما تراني أحملُ كتابي وأنضم للمرابطينَ في الأقصى، وربما لن تعثرَ على أجزائي كاملةً، فتسمع عن العثورِ على أشلاءِ طفل في العراق، وفي النهايةِ ستكتفي بي رقماً في نشراتِ الأخبار، رقماً من عدد كبير بلا ملامح، سيفيضُ الحزنُ في نفسك وستصبّ جام حقدك على أولئك الذين ابتكروا للموت والخوف طرقاً إذا غُرِزَ سهمُ هذا الخبرِ في قلبك، وسيمرُّ عليكَ النبأُ مرورَ الكرامِ إن لم يتجاوز مسامعك، فالقلبُ يسمعُ أفضل من الآذان، ويرى أحسن من العينين.

ستمرُّ يوماً ما مع طفلكِ عند اصطحابه إلى المدرسة لتراني ممزقَ الملابس، ستظنُّ أن عائلتي قد أهملتني وتركتني أقاسي ويلاتِ الشوارع، أو ربما ستفكرُ بي على أنني طفلٌ غبيٌّ لم يحتمل حقيبتهُ المدرسية فانتهى به السبيلِ في الأزقة، ولن تبحثَ عن أسبابٍ أخرى فتخديرُ ضميرك تجاهي هو العلاجُ الأنجع.

ستلتقي بي ذاتَ طريقٍ لتراني أحملُ سيجارةً كرجلٍ بالغ، ستبدأُ حينها بشتمِ ولعنِ تلكَ التربيةِ التي جعلت مني طفلاً سيِّئَ الخلُق كهذا دونَ أن تكلّفَ نفسك عناءَ البحثِ عمّا قادني إلى هذا الأمر، سأنظرُ إليك بازدراءٍ ليس لأجل نظراتك، بل كيف تحسبني طفلاً وقد بلغتْ نفسي من الكبر عتياً؟

ستراني في إحدى المقابلاتِ التلفزيونية، باكياً أتجرعُ مرارةَ حربٍ لم يَكُ لي أيُّ ذنب فيها، ثم ستدعو طفلكَ لتخبره أنّه سيلاقي مصيراً كمصيري إن لم يأتِ بعدَ خمس دقائق حافظاً درسَ التاريخ.

بكلِّ صدقٍ أقولُ لك، لا يعنيني ما تقولُ وما تظنه تجاهي، إن كفكفتَ دموعكَ بعدَ رؤيتي أو سببتَ الصدفةَ التي جعلتك تلتقي بطفلٍ متشردٍ في يومك الصيفيِّ الجميل، لا فرقَ لديّ فالأمر سيان.

أحلامي بامتلاكِ دراجةٍ هوائيةٍ أو الحصولِ على كرةِ قدمٍ تهشمتْ أمامَ سطوةِ الفقرِ والظلم، ورغبتي بالسيرِ مع أقراني إلى المدرسةِ هوتْ على رأسي لتذكرني أن طريقيَ الوحيد هو ورشةُ جارنا الميكانيكي صعبِ الطّباع، وأنَّ حلمَ عودتي لمنزلٍ دافئ قائمٍ بالحب تبخرتْ أمام تعنّت والديَّ وإصرارهما على الانفصال وتقاذفي بينهما كما التهمة الثابتة بين جوقةِ من المجرمين، كلُّ يتبرأُ منها ليلصقها بالآخر.

تُزْهَقُ روحي في اليومِ ألف مرة، أصيرُ رجلاً قبل أن أعيش طفولتي، وأهرم قبلَ أن يخطَّ الشيب أولى خطوطه في شعري، فأنا من عشتُ نزاعاً لم أبدأه، ويتماً لم أختره وتشرداً ألفتهُ نفسي بعد عشرةِ سنين طوال.

أنا مثالٌ حيٌّ تغمضُ عينيك عنه، وقلةٌ هم من يعملونَ لأجلنا، من يكيلون راحتهم أمام سعادتنا فترجحُ الثانية، أولئك الذين يطبعونَ قبلةً على القلبِ تكونُ كزهرةٍ في صحراء جرداء، فلهمُ المجد ولنا طول البقاءِ على ما فرطتم في جنبِ طفولتنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.