المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حليمة نزار صبرة Headshot

لشبابنا المضرج بنوائب الدهر قصصٌ

تم النشر: تم التحديث:

لشبابنا المضرج بنوائب الدهر قصصٌ، ندرك كنهها، ونخشى البوح بها خشية شبح يلاحقنا بها أينما حللنا.
كاذبة أنا منذ سطري الأول.

كل القصص التي نعيشها نتلوها على أنفسنا في اليوم آلاف المرات كما يتلو العبّاد كتبهم المقدسة، ولكن الفرق بيننا وبينهم أننا نُسرّ بها فقط حاملين مخاوفنا معنا، بينما يجهرون هم بها، أمناً وإيماناً وحباً.

أقف كل يوم أمام مرآتي أحدثها، أعيد النظر إلى وجهي آلاف المرات وأسأل نفسي الأسئلة ذاتها: ماذا لو لم نخلق على هذه البقعة الجغرافية؟ ماذا لو كنت أتحدث لغة أخرى؟ ماذا لو ترعرعت في شوارع ثانية؟ وماذا لو لم يكن بين ثنايا حروف جنسيتي ما قد يثير شكوك العالم بأسره؟

وكلما أعدت تلك الأسئلة على نفسي، كبلتني قيود لا أراها في يديّ، قيود تأسر قوتي وتطرق على مسمعي حكاية أخرى، وقد كانت تلك القيود لغتي، هويتي، انتمائي، وكل وثائقي الرسمية.

ولكن لأني أرجو أن تكون لكل القصص نهاية سعيدة، قررت أن أبدأ مغامرة أتخلى فيها عن كل شيء، وأتجرد بها من لهجتي وشكلي وأي شيء يدلّ عليّ، علّني أجد ما يطفئ نار الأسئلة التي تشعل في القلب والعقل حريقاً لا ينتهي.

وككل القصص في العالم والتي يُراد لها أن تختتم بسعادة أبطالها.. خلعت كل ذلك عنّي ثم نزلت، فطفت الشوارع والساحات لأجد نفقاً طويلاً، ظهرت لي فيه جنيّة تشبه تلك التي تظهر في أفلام الرسوم المتحركة ولكن أكثر وقاراً، وهمست في أذني: "إن عبرتِ هذا النفق، ستعرفين ما تبحثين عنه، وإن لم تعبريه ستعودين كما أنت محاطة بالأسئلة".

ثم استطردت قائلة: "الجبناء فقط من ينسحبون لحظة التّماس الأول مع الألم، أما الشجعان فيصوغونه من جديد لحناً آخر".

وخلال ثانية واحدة اختفت الجنية تاركة لي الظنون، مشيت تجاه النفق الذي أخبرتني عنه، كان له باب يشبه أبواب قلاع التاريخ، قرعته علّي أجد أنيساً في رحلتي التي قررت أن أخوضها مهما كلفني الأمر، لكن لم ألقَ أيّ رد.

مشيت عدة خطوات، وبدأت أرى نفسي في بلدان وأماكن لم أزُرها سابقاً، ربما زارها قلبي وتاقت لها روحي لكنّي لم أقوَ على لمسها بهذا القرب يوماً.

وفجأة وبينما أنا أحدق في المارة والواقفين لمحت نفسي واقفة بين حشود من الناس، أعدت النظر لأدقق في ملامحي، لأتأكد أنني هناك، فصرخت وعندها سمعت صوتي للمرة الأولى، وأيقنت أن رحلة معرفة من أنا قد بدأت، رحلة العودة لنفسي والتي ستجلب لي إجابات كل الأسئلة.

تركت جموعهم ومشيت وكان الليل قد بدأ يلقي بعتمته على الكون كلّه، فلم أجد منزلاً آوي إليه وألجأ إلى جدرانه وأحتمي تحت سقفه، بقيت في الشوارع حتى رأيت نفسي في طفل فقد والديه، في ملابسه رائحة بارود، وفي تقسيمات وجهه ألم لا طاقة لبشر على حمله، بكيت طويلاً ثم اتخذت من أحد الأرصفة سريراً ونمت والبرد يخترق عظامي.

نظرت إلى أول نقطة بدأتها في النفق، فلم أعد أجد نوراً، مما يعني أن طريق العودة غير متاح، فإما الإقدام والمتابعة وإما الهلاك دون بلوغ المراد، ولأني أزعم أن إصرار الشباب أبقى وأعتى، عزمت على إكمال رحلتي.

في الطريق شاهدت كل ما لم أكن أستطيع أن أراه سابقاً، شاهدت أصدقائي الذين سلكوا سبلهم في بقاع شتى من الأرض، تاركين وراءهم ذكرياتهم، تركوها وهم يبكونها ويرثونها، بل أجبروا على تركها وهم "يظنون كل الظن أن لا تلاقيا".

كنت أعتقد أن طريقي هو لمن في سن الشباب فقط، لكن ذلك الكهل الذي وقف صامداً أمام منزله، يتحدث بلهجته الأصيلة ويرفض أن يبرح مكانه، ويخيّر شياطين الأرض إما أن يتركوا بيته أو أن يسووه أرضاً ولكن فوق جثته.

بدا لي كل شيء مخيفاً، صعباً وقاتماً لدرجة لا تسمح لي بالبقاء أكثر، فكرت ماذا لو أدرت حبلاً حول رأسي عدة مرات لأنهي معاناتي وتدفق الأسئلة إلى رأسي وتدافع الصور في مخيلتي؟

فأتاني صوت متهكم يسخر من رغبتي ناعتاً إياي بالجبن والتردد، ثم قال بصوت حازم: "يمكنكِ أن تفعلي ذلك لتكوني جزءاً من المعاناة، ولتزيدي عدد المتخاذلين واحداً، ولكن عليّ أن أذكرك أنكِ إن فكرتِ في أن تكوني جزءاً من الحلّ ستستطيعين خوض غمار هذه التجربة وكسب سباقها".

أطرقت رأسي أرضاً، ثم جلست وشرعت في نوبة بكاء أجزم أنها استمرت طويلاً، غرقت في بحر من الأوهام، ورفعت رايتي البيضاء ووقفت في مكاني أرى كل ما رأيت سابقاً مستمر الحدوث وأنا أتفرج دون أن أملك من أمري شيئاً.

مرت الأيام وبقيت رهن دموعي وآلامي، إلى أن قررت يوماً أن أكمل المسير علّني أجد الخلاص، فعدت إلى ذلك الطفل وبحثت له عن منزل يأوي إليه كل ليلة، ورجعت إلى ذلك العجوز لأقف بقربه لمجابهة أولئك الخفافيش، ثم عدت لتلك الجموع لأسمع صوتي بوضوح أكبر، وإذ بهم يسلكون النفق ذاته.

في الطريق تحدثنا كثيراً، اختلفنا واتفقنا، تعرضنا لخيانات مرات وربحنا جولات مرات أخرى، في كل مأساة ألمّت بنا تعلمنا درساً جديداً، نظمنا أنفسنا وقررنا معاً أن إتمام الرحلة هو ديدن الشجعان.

وقفنا في طريقنا على بيوت مهدمة، وعلى أنقاض أحلام أطفال كان أكبر همهم اقتناء كرة قدم، وعلى دموع ثكالى وصرخات معذّبات، ألقى كل منّا رأسه على كتف الآخر وتقاسمنا الانتصارات والهزائم والدموع والأفراح.

قد يبدو ذلك جنوناً، لكن تقاسمك الطريق مع من يشاركك آمالك يخفف من وطأة المصاعب، ربما الطريق لن ينتهي، لا ندرك ذلك بعد، لكنّا قد رأينا نوراً حيث نتجه في آخر النفق الذي أرسلتني إليه الجنية، قد يكون ذلك النور محض سراب بدوي في صحراء فقد فيها راحلته، وربما يكون نوراً حقيقياً يعيد الألوان لسواد أيامنا.

سيُشق الطريق بنا أو بسوانا، إما أن نكون أبطال القصة أو نظل مشاهدين صامتين لا نعيش فيلم الحياة إلا بواسطة شاشة لا تمدنا بأي قوة أو مشاعر.

الشجاعة تكمن في المقاومة تارةً والاستسلام تارةً أخرى، في متابعة الطريق رغم وعورته، في ترك حبل إعدام كان بإمكاننا عبره الإجهاز على أنفسنا، لكنّا استخدمناه لسحب رجل آخر أراد رمي نفسه في وادٍ سحيق.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.