المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حليمة الجندي Headshot

خير أمة أخرجت للناس

تم النشر: تم التحديث:

كُنت قد كتبت منذ سنوات مقالاً قصيراً عن تجربتي كطالبة في دولة السويد عنونته ب "باش احسن منا؟" أو "لماذا هم خيرٌ منا؟".

حكيت فيه كيف أن تِلك أمة تُحسن الظن بأهلها، فلا ترى في المراكز التجارية رجال حراسة يتفحصونك بارتياب وكأنك لص إلى أن يثبت العكس.

في عُرفهم، المؤسسة الأمنية الأجدى والأكثر فعالية هي ضمير الفرد، فتراهم يوقظونه في أبنائهم مبكراً جداً، لا بلغة الترهيب والعقاب، ولكن بربط ضمير الفرد بإنسانيته.

كتبتُ أيضا كيف أنهم أكثر الناس غضاً للبصر؛ فلا ترى مُرتادي حافلات النقل إلا بين متأمل من نافذة أو قارئ لكتاب أو مُلته بشأن من شؤونه.
فالتلصص على الآخرين هو اعتداء على إنسانيتهم أيضا.

سجلتُ في مقالي أن أكثر ما أبهرني في تلك الأرض، هو أن بلوغ اصحاب القرار، كالعميد في الجامعة أو العمدة في المدينة، مُتيسر لكل ذي حاجة، على ان يأتي في أوقات العمل الرسمية. فإحساس عميد الجامعة بقيمته العلمية وإنسانيته، يكفيه عن كل مغالاة أوهَيْلمان وجاهة.

ولم يكن بيننا نحن الطلبة وبين الأساتذة و العميد في جامعتي حُجَابٌ ولا كُتَاب، بل جهاز هاتف بَيْنِيْ 'أنترفون' يربطنا بمخاطبنا مباشرة ويسمح له بفتح البوابة عن بعد.

قلت في مقالي حينها إن السويد، ولأنها أمة تَحْتَكِم لدقة الوقت والضمير وعدالة القانون، فأهلها، وحسب تجربتي الشخصية، أكثر الناس افتقارا لثقافة المرونة، فهم لا يمنحون الاستثناءات وإن تعاطفوا؛ لأن في ذلك إخلالٌ بنظام أثبت الزمن والتاريخ أن فيه من الحكمة والنجاعة قدر كبير.

ختمت مقالي حينها بجواب على السؤال: "لماذا هم خيرٌ منا؟". كتبت: هم كذلك لأنهم أمة تأخذ نفسها على محمل الجد، وتُقدر قيمة وفضل مرورها على هذه الأرض حق تقديره.

يعيشون كما يجب على الإنسان، الذي استهل رب العالمين مخاطبته في أول ما تنزل من القران الكريم بكلمة 'اقرأ'، أن يعيش، ليُذكره بأن العقل والادراك قد سما ببني ادم، فوجب على بني آدم أن يسمو بنفسه لنفسه في أمور دنياه. قلتُ أن مجتمعات ما يُسمى بالعالم الأول، لم تخلق نفسها بنفسها بين ليلة وتاليها، ولكنها نتاج صحوة ووعي تدرجيين بإنسانية الفرد، الذي يبدأ بمعاملة نفسه أولا ثم الآخرين بالإحترام و الجدية اللذين تستحقهما نفسه و يستحقهما الآخرون.

حين كتبت مقالي وسألت: لماذا هم خير منا؟ منذ سنوات، كانت المنطقة تعيش لحظات ارتجاجٍ نفسي وإن ترتبت عنه نتائج سياسية.

وأذكر أنني كتبت ـ عام 2011ـ في مقال آخر بعنوان "النظام/اللانظام الجديد"، أن الحراك السياسي في منطقتنا ليس إلَّا هزات ارتدادية لزلزال أعظم ضرب وعي الفرد المدجن بنفسه وبمقدرته في أن يصنع "ذاتيا" التغيير.

اعتقدت حينها ـ ولازلت ـ أن تلك الصحوة الشعبية لم تكن في المقام الأول إلَّا ثورة نفسية غذتها وهيجتها ثورة أعظم في تقنيات التواصل التي مَنَحْت لنا كأفراد، ونحن على ما نحن عليه من انعدام ثقةٍ، وغضب ظاهر ومستتر، منحتنا المتنفسَ وكانت المَفْزَعَ عند الأزمات.

يَومَها اعتقدت أن تلك هي بداية الصحوة والوعي التدريجيين بإنسانية الفرد في منطقتنا التي ستجعلنا كما السويد، أفراداً ومؤسسات نُعامل أنفسنا والآخرين بالاحترام والجدية اللذين تستحقهما النفس ويستحقهما الآخرون .

أراني اليوم وأنا أتابع مع المتابعين ماطفى ويطفوا وسيطفوا من قصص أليمة عن تَغَوُلِ مجتمعنا بَعْضِهِ على بَعْضْ، سُلطةً ومواطنين، كان آخرها ما نُقل عن حرقِ سيدةٍ ـ تبيع الحلوى والفطائرـ نَفْسَهَا احتجاجا على إهانة أعوان السلطة لها على الملأ، قُلت أراني أسأل نفسي ذات السؤال ولكن بالصيغة السمِجة التي نستحقها: لماذا كل هذا القبح فينا؟
أهي الكبوة، أم الإنتكاسة، أم أن الصحوة لم تبدأ أصلا؟

الى أن ينجلي الغبار، ستظل خير أمة أخرجت للناس، تلك التي لاتحقير فيها ولاحطْ، المُحْتَكِمة لعدالة القانون، المُعزة لضمير الفرد.. وتلك قطعا ليست نحن..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.