المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حليمة الجندي Headshot

مشاهد ثلاثة من رحلة إلى بلاد البعيدة "1"

تم النشر: تم التحديث:

المشهد الأول.. سائق التاكسي

اقتسمت أنا واختي الأريكة الخلفية الواسعة.. ما إن انطلق التاكسي حتى بدأت عيناي تدمعان، غلب عليهما الهواء المكتوم الذي كثيرا مايميز السيارات الجديدة: خليط كيميائي تمتزج فيه رائحة الغراء بالبلاستك.. توسطتنا شاشة معلقة تُعرض عليها مقاطع برامج حوارية قصيرة وفيديوهات تشرح كيفية الاداء بالبطاقات البنكية.. بالقرب من الشاشة رقم رخصة عليها صورة للسائق.. غريزيا نظرت من خلال الزجاج الفاصل لأقارن بين الأصل والصورة.. كنت أجلس خلفه مباشرة، فلم ارى من وجهه الا عينين على الزجاج العاكس تتفحصنا.. بادرنا بالسؤال:

ـ بروكلين؟

أسرعت أختي بالرد:

ـ بالظبط
نظر مرة اخرى عبر المراة وقال بنبرة فيها حدة:

ـ لن أشغل العداد، ستكلفكما الرحلة 50 دولارا.. أيناسبكما هذا؟

كنا قد ابتعدنا عن المطار، والساعة جاوزت الثامنة مساءا وبوادر الازدحام الشديد قد هلت.. لم ترُق لنا سياسة الأمر الواقع الأمريكية التي تخيرك فيما لا تملك له اختيارا، ولكن الرقم المقترح بدا مقبولا بالنظر لما كنا نسمعه عن تكلفة الرحلة بسيارات الأجرة في نيويورك.. حركت رأسي بالايجاب.. فتسمرت عيناه تنظران مليا عبر المراة، ربما استغرب اننا لم نفاصل ولا أظهرنا امتعاضا منتظرا.

ـ من أين أنتما؟
ـ افريقيا.. شمال افريقيا

تطوعت أختي بردها الذي اعتمدته طيلة الرحلة، فهي تعتقد أن لافريقيا سحرا خاصا هناك، خصوصا عند الأمريكيين من أصول أفريقية، وسائقنا منهم.
صادف جوابها ازدحاما شديدا، فرض على السيارة التباطئ. التفت السائق إلينا بكليته وقدابتهج فجأة:

ـ حقا؟؟ السلام عليكم

استطعت أخيرا أن أتأكد من أنه هو نفسه صاحب الصورة على الرخصة. ثم انتبهت لاسمه: "صِدِيقْ".

وصل صِدِيقْ إلى نيويورك مع أسرته من غانا وهو ابن سبع سنين. ورغم أنه قضى فيها حياة كاملة، فقد غلبت على انجليزيته لكنة افريقية بينة، شأنه في ذلك شأن الاف المهاجرين الذين مهما طال بهم المقام في أرض الفرص لايندمجون أبدا.

واللغة أبرز وأبلغ مظاهر مقاومة الاندمج التي لا أدري صِدقا أهي دفاعية ومُبيتة من طرف المهاجر حتى لايخسر هُويته الوجدانية، ام انها مقاومة مضادة من طرف مجتمعٍ يرفض أن تُغير هذه التلوينات الوافدة تشكيل هويته الأصيلة، فيدفع المهاجرين الى التشرنق والاعتزال.

لنصف ساعة حدثنا "صديق" عن ابنه "نعيم" الذي يدرس لغة القران في احدى المدارس العربية، وأرانا بفخر صورة ابنة أخيه التي حصلت على جائزة تجويد بماليزيا، وحدثنا عن قريته البديعه في شمال غانا التي ينوي أن يزورها مع ابنه في يوم من الايام. ثم سرعان ما بلغ بنا الحديث الى موضوع الانتخابات الامريكية، فعدل صِدِيق مراته العاكسة، وتململ في مقعده مستجلبا مزيدا من الاهتمام، ثم أخبرنا بنبرة قاطعة أن "دونلد ترامب" مُؤيدٌ من عند الله، و أردف مستفهما:

ـ وإلا كيف تفسران أن الرجل يُرسل الوعيد بعد الوعيد، ويقعُ في الكبوة تلو الكبوة، ومع ذلك لا تزداد أسهمه الا صعودا؟ هو من سيفوز في هذه الانتخابات صدقاني.. حتى يبلونا به رب العالمين ويُنْفِذَ امتحانه وامره.

لسوء الحظ كنا قد وصلنا، فسكت صِدِيقْ.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.