المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حليمة الجندي Headshot

الخروج إلى النهار

تم النشر: تم التحديث:

إن كنتَ قد درستَ الفلسفة في الصفوف الثانوية، فالأغلب أنك تذكر أُمثولة الكهف الشهيرة لأفلاطون.

داخل مغارة مظلمة، قيد إلى حجر منذ الولادة مساجين ثلاثة، شد بوثاق رأس كل منهم فلم يعد يملك الواحد للالتفاف سبيلاً، وليس في مرمى نظرهم جميعاً إلا حائط حجري.
خلف المساجين نار موقدة، وبينهم وبينها ممر يرتفع عن الأرض بمقدار، وكلما مرَّ أناس يحملون آنية أو زرعاً أو حيواناً إلا وانعكست خيالات تلك المحمولات على الحائط، ولأن المساجين ما كانوا قد خرجوا يوماً من محبسهم، ولا هم رأوا الأشياء في الطبيعة رأي العين، فقد اعتقدوا أن الظلال المتراقصة هي حقيقة الأشياء، وأصبح أقدرهم على حدس ظل الشيء الموالي مقدماً فيهم باعتباره أنبههم وأعلمهم بـ"أسرار الطبيعة"، إلى أن حدث يوماً أن أحد المساجين استطاع التحرر من أصفاده وهرب، ما إن خطا خارجاً حتى صدمه العالم، فعقله بمرجعية الكهف لم يستطِع أن يستوعب "حقائق الأشياء الجديدة"، وأن للنور مصدراً أكبر هو الشمس ترى تحتها الأشياء لا ظلالها المتراقصة بفعل اللهب.

رويداً رويداً، أدرك السجين السابق أن كل ما كان يعرفه في الكهف لا يعدو أن يكون ظل الحقيقة لا الحقيقة نفسها، فهام على وجهه ليكتشف معاني الأشياء وتأويلها.

بعد حين، قرر العودة للغار مبشراً لرفاقه ونذيراً، يريد إخراجهم من الظلمات إلى الشمس.
رفض السجينان طبعاً هرطقة صاحبهما وكفره، ولما رأوا منه إمعاناً في غيِّه، هددوه بالقتل إن هو لم يكفَّ عن محاولة "تحريرهما" وبث أفكاره الغريبة وتشكيكهما في الحقيقة البينة.

ظلت هذه الصور عالقة في ذهني لبلاغتها، وكنت أرى فيها كغيري دائماً، إسقاطاً على دور الفيلسوف الفرد الاستثنائي القادر على تكسير القيود والمتجرئ على البحث عن الحقيقة في مكان آخر.. المضطهد دائماً من جماعة إنسانية أسيرة مداركها الحسية، والمقيدة ذاتياً بأحكام العادة والعرف والضرورة، وإن كانت العادة والعرف والضرورة لا تعدو أن تكون جميعها ظلالاً للحقيقة أو بعض مقدماتها.

تدافعت هذه الأفكار في رأسي وأنا جالسة بين بضع عشرات من المشاركات في قاعة للمؤتمرات بالبحر الميت، أتابع محاضرة لعالمة الأنثروبولوجيا الشهيرة السيدة زيبا مير حسيني، ضمن جلسات دورة تدريبية نظمتها حركة مساواة العالمية للعدالة داخل الأسرة وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، يطلق على الدورة: "أنا أنخرط".

كان موضوع العرض هو "طرق المعرفة وتطوير المنهجيات النقدية".. عنوان دسم، يشي بمضمون ثقيل، بعد توطئة جامعة، توقفت المحاضرة عند مراحل التطور المعرفي والفكري عند عالم النفس التربوي "ويليام بيري"، درس هذا السيد خلال خمسة عشر عاماً أنماط ومراحل التطور المعرفي، وخلص إلى أن لها تسع محطات صنفها داخل أربع فئات كبرى: المرحلة الثنائية والمرحلة التعددية والمرحلة النسبية ثم مرحلة الالتزام.
تعرف الأولى أيضاً بمرحلة المعرفة المتلقاة؛ حيث لكل أسئلتي أنا المتلقية أجوبة قاطعة، مصدرها مرجعيات (الأب/الأم، المعلم، الزعيم، الفقيه..) هي، أي المرجعيات بالقطع على صواب وغيرها بالضرورة على خطأ..يستفتون لأنهم أعلم وأدرى، وعليَّ الطاعة.

عندما يتجاوز الواحد منا المعرفة الثنائية، ينتقل إلى مرحلة التعددية؛ حيث المعرفة شخصية وخاصة، هنا تصبح للأسئلة أجوبة متضاربة، ويكتشف الواحد منا أن ما رآه قبلاً صحيحاً بالقطع أو خطأً بالضرورة، هو كذلك فقط عند السلطة أو المرجعية مصدر المعرفة، وليس في المطلق، هنا يبدأ الإنسان في التساؤل، وبه يدخل المرحلة الثالثة؛ حيث المعرفة نسبية وإجرائية، تقوم على منهج استدلالي لا إجابات صحيحة فيه ولا خاطئة، بل استنتاجات وحلول بعضها أفضل من بعض.

في آخر السلم مرحلة الالتزام أو المعرفة المبنية أو المشكلة، حين يبلغها طالب العلم أو الإنسان عموماً، يكون قد استوعب أن المعارف جميعها غير مطلقة ولا هي ثابتة ولا هي ممنوحة، بل متغيرة وسياقية وقابلة دوماً للتطور.

بالعودة إلى الأمثولة، في سجين أفلاطون شبه كبير من الأنبياء والقديسين والعلماء والفنانين والمتصوفة الكبار. كل لسبب بليغ رآه، رغب عما وجد عليه جماعته، وانكفأ يبحث عن حقيقة الأشياء ومعانيها في مكان ما خارج الكهف، هذه النماذج البشرية الثائرة على قبضة الموروث و"الثابت" خرجت من مراحل المعرفة المملاة والقياسية إلى مستويات إنتاج المعرفة الجديدة الخاصة بها وبسياقاتها، ولولا أنهم فعلوا لما كُتب للبشرية تحضر ولا بقاء.. إلا أن الخروج ليس أبداً بالأمر الهين؛ لأن الطبيعة الإنسانية امتثالية تخضع للنمط وتكن للتقليد والمعيارية، فالتكيف أدعى وأسلم، أما الخروج فيحتاج إلى شجاعة وتضحية عظيمتين، والأهم من هذا وذاك إلى لحظة وعي ذاتي فارقة كتلك التي جعلت سجين أفلاطون يفك قيده ويخرج إلى النهار، وطالب بيري يكف الاستفتاء والطاعة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.