المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حليمة الجندي Headshot

فتحُ ترامب "المجيد"

تم النشر: تم التحديث:

أصيب أغلبنا بالذهول وهو يتصفح المواقع صباح يوم الأربعاء الماضي ليرى الوجه السمج لدونالد ترامب يُغطي الصفحات الأولى معلناً عن انتصاره في سيرك أميركا الانتخابي لعام 2016.. ولكلٍّ سيركه.

انطلقت الأقلام تدعو بالويل والثبور وعظائم الأمور، وتتوعدنا بمستقبل حالك وسنوات عجاف، فالرجل الجالس على "عرش العالم" عنصري أخرق، يَستعدي خطابه ويُهين الجميع ما عدا هؤلاء الذين يشبهونه، وهم على ما يبدو كُثر.

ارتعدت الفرائص؛ لأن "المهرج الثري"، الذي دخل الغِمار وهو التاجر ليكسب مزيداً من الدعاية والترويج لرأسماله الأساسي: العلامة التجارية Trump قد اكتسح.. رغم ضحالته، ورغم الفضيحة تلو الفضيحة، فاز ترامب بأصوات الأميركيين أولئك الذين صوّتوا على الأقل فكان هو نفسه وأسرته من المتفاجئين، ويكفي أن ننظر إلى الصورة الموثقة للحظة الإعلان عن نجاحه، لنرى مِثل ذهول بعضنا على وجوههم جميعاً.

لا تهمني أسباب نجاح ترامب؛ لأنها واضحة جلية، فيها النوازل: ظرف مُواتٍ، ومناخ مشحون، وضعف البديل، وفيها الأصيل: نظام ديمقراطي مُختل، لكثرة ثغراته أصبح كالغربال البالي، ولعل هذه الأسباب هي نفسها التي أدت وستؤدي إلى مزيد من الصعود اليميني شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً، خصوصاً بعد فَتْح ترامب "المجيد"، وهنا بيت القصيد.

إن المهم في اعتقادي هو نتائج هذا الفوز وآثاره اللاحقة لا محالة، لا أعني هنا سُوراً يُبنى، أو حَظْراً لدخول المسلمين، أو تهجيراً ممنهجاً لكل المقيمين غير القانونيين، فأغلب الظن أنه لن يأتي أياً مما قال، وإن فَعل، فبالمقدار الذي سيسمح له به حزبه ومؤسسات دولته، وطبقاً لأجندة عامة رسمها غيره، فترامب، الذي اختاره جزءٌ من الأميركيين لأنه في اعتقادهم يمثل صوتاً مزعجاً من خارج نظام ومؤسسات واشنطن العتيدة، وانتقد و"فضح" خلال حملته فساد هذه المؤسسات وتبعيتها لأهل المال والمجموعات الضاغطة، قلت لأن ترامب وبمجرد نجاحه، أصبح جزءاً من هذه المؤسسات وصنيعتها. وللأمانة فهو لن يكون أبداً استثناء في ارتداده، فكثيرة هي نماذج المعارضين الأشاوس في منطقتنا، الذين ما إن تسنح لهم فرصة للحكم والتسيير، حتى تراهم قد انقلبوا على أعقابهم، فكلام الحملات تُذهبه سَكرة السلطة والرغبة في البقاء هناك عالياً لأطول أمد ممكن.

خطورة نجاح ترامب أعظم من إجراء يُتخذ هنا أو قانون مجحف يصدر هناك قد يذهب بذهاب صاحبه وإدارته، خطورته تكمن في أثر خطابه المتطرف الذي درّج التمييز والكراهية، وجعلهما مقبولين بل ومطلوبين وقد يصلان بصاحبهما للبيت الأبيض، خطورة ترامب في أنه أعاد فكراً بائداً وصدّره المشهد في جزء من العالم من المفترض أنه "حر"، وأكثر عدلاً وإنسانية، أو هكذا يروج لنفسه، خطورة نجاح ترامب في مفعول الدومينو الذي سيُمَكّنُ للمتطرفين في كل مكان، في أوروبا تيمناً وانبهاراً بنموذجه وخطاب مارين لوبين في فرنسا بعد فوزه دليل على ذلك، وفي غيرها من بلاد العالم، خطاب يساويه تمييزاً وكراهية يستمد شرعية وجوده من خطاب ترامب وأمثاله.

في جامعة جورجيا تيك بأطلنطا، دخل أستاذ هندسة سبعيني فصله صباح الأربعاء وهو متجهم، نظر إلى طلبته وفيهم من البِيض والأقليات، وطلبةٌ أجانب بينهم مسلمون، أزال الأستاذ نظارته، ثم قدم باسم جيله وباسم أميركا الاعتذار عن نجاح ترامب؛ لأن صعوده رغم ما يجهر به من قبح، دليل على فشل المشروع الديمقراطي ككل، وسقوطٌ للأفكار العظيمة التي ناضل من أجلها كثيرون طيلة النصف الثاني من القرن العشرين ليكتشفوا أخيراً بالدليل أن للتاريخ دورة، ثم أجهش الأستاذ بالبكاء.

خطورة ترامب ليست سياسية، فمستقبل العالم حالك، وسنواته المقبلة عجاف، سواءٌ حكم هو أو غيره، خطورته الحقيقية أخلاقية وقيمية، مهددة لأميركا أكثر من تهديدها للمسلمين، واللاجئين، والمهاجرين والنساء واللائحة تطول، وفي هذا فعلاً ما يُبكي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.