المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حليمة الجندي Headshot

زمن السقوط

تم النشر: تم التحديث:

كثيرون، وأنا منهم، يواجهون أزمة أخلاقية حقيقية كُلما كَسَتْ مُلصقات الموت الشاشات؛ "لتُزعج" رتابة سلامتنا اليومية، نحن "محظوظو" هذا الزمان البعيدون عن صَهْدِ المعارك، نتردد بين الوجوه الصُفْرٍ أسفل الصورة أو المقطع المصور على صفحاتنا، ننقرها حُزناً حيناً وغَضَباً في أغلب المرات، ثم تتوالى الصور فيتوالى النقر إلى أن نَكَل أو نَخْجَلَ ونحن نقاوم تبلداً حِسياً غامراً بتعليقٍ أو مشاركةٍ، نستسلمُ بعدهما لما لا نستطيع له دفعاً قبل أن نعود لرتابة سلامتنا اليومية، ونتلهى بشأن من شؤوننا إلى حين.

قد تكون هي غريزة البقاء البدائية تتدخل كي لا تطير عقولٌ ولا تضج نفوسٌ من ظلمٍ وقهرٍ بَينٍ نحن عليه شهداء. ربما هو المنطق البشري الانتهازي يراودنا مذكراً أننا لسنا على الطرف الآخر من الشاشة، فنهدأ ونطمئن، ولسان حالنا الحكيم يردد: "c'est la vie".

قد لا تكون هذه المرحلة التي يعيشها العالم هي الأشد دموية في تاريخه، فليس أكثر من ملاحم القتل والاستباحة في ماضي بشريتنا "المجيد"، ولكنها بالتأكيد المرحلةُ الأشد سُقوطاً.

إذا استثنينا النصف الثاني من القرن الأخير، فإن أغلب فضائع الماضي لم تكن معلومةً في حينها لدى معاصريها -أعني البسطاء من الناس أمثالنا- ولأنهم تابعوها بشكل مُباشر وطالعوا تفاصيلها مع اللقمة والرشفة وبين الركعة والسجدة، حتى أصبحت أمراً طبيعياً، طالما أنه يحدث للآخرين فقط على الطرف الآخر من الشاشتين.

هذه المرحلة هي الأكثر سقوطاً؛ لأن أمماً من قبلنا خلت لم تدعِ ما ندعيه من رشادٍ وبلوغ إنساني، شيدنا معه وبه قلاعاً من ورق تنتصر لحقوق سميناها بكل صفاقة حقوقاً أساسية وأصيلة دونها "السيف".

سقوط هذه المرحلة التاريخية سُقوط ثلاثي: للفعل والفاعل والشاهد عليهما، وهو بذلك سقوط أخلاقي عظيم لمجموعات بشرية بأكملها ولنظم سياسية ودينية ولأفكار وقيم تقوم عليها أساسات مدنيتنا العتيدة، تَساوى في ذلك مَن في شمال الكوكب ومَن في جنوبه، وهؤلاء في شرقه وأولئك في غربه، الكل وَقُودٌ لزمن السقوط.. إلا ما رحم ربي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.