المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حليمة الجندي Headshot

يا صديقي.. كلنا ترامب

تم النشر: تم التحديث:

أما وقد انجلى غبار الهمداني، وعلمنا أفرَسٌ تحته أم حمار، فقد آن لنا أن نسأل:

لماذا نغضب نحن غير الأميركيين، سكان المستعمرات "السابقة" القابعون في الطابق السفلي لا نراوحه، كلما أصدر رئيس أميركا الجديد قراراً، وكأنه أتى شيئاً فرياً لم يسبقه إليه أحد؟
فيمَ صدمتنا حقاً؟ أليس في قباحة الخطاب الترامبي الإقصائي القميء شبه من بعض ما عندنا في هذا الجزء من العالم وأُلفة؟

ليس وحده ترامب مَن يبغض النساء ولا يحسبهن أنداداً، ولا هو الناشز الوحيد المختوم على قلبه، يرى في قومه وعشيرته ومَن يشبهونه هو فقط، ثلثاً ناجياً.

ليس ترامب أول مَن أوصد الأبواب وشيَّد الأسوار حتى يبقي "الشيطان" القادم من الجنوب بعيداً عن جنته، وبالقطع ليس هو وحده مَن يتطلع إلى كل مَن اختلف عنه بصدفة الجغرافيا والتاريخ في الشكل والقيم، فيرى وجه الشيطان.

الفرق بينه وبين غيره أن هنالك وسط كل هذا الجنون مَن يسخر منه ويقاومه، ويسمي أشياءه بمسمياتها؛ ليقول له: "أنت شخص عنصري إقصائي خطابك متجاوز بحركة التاريخ.. وأفكارك لا تمثّلنا"، بينما لا يجرؤ الواحد منا على أن يواجه نفسه أو يسألها عن مسلَّماتها الأصيلة، فضلاً على أن يجاهدها لينتج فهماً أو معرفة أكثر إنسانية وأقرب إلى روح الله، فلسان الحال دوما يقول: "بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا".

منذ أيام قليلة قال المرشد الأعلى لإيران رداً على حظر دخول مواطني دولته للولايات المتحدة، إن "دونالد ترامب هو الوجه الحقيقي لأميركا"، في هذا التصريح كثير من الانفعال السياسي المهذب والمشروع جداً بعد قرار حظر دخول الأراضي الأميركية لمواطني سبع دول ذات أغلبية مسلمة، بينها الجمهورية الإسلامية، وفيه أيضاً قليل من الإنصاف، بلغة الأرقام على الأقل، فالرجل بالكاد نجح والمسيرات الاحتجاجية من الأميركيين على جل قراراته لم تتوقف منذ تنصيبه، إلا أنني أتفق مع السيد خامنئي في أن ترامب هذا وجه وواجهة فعلاً، لكن ليس لبلد بل لثقافة ذكورية عدوانية سلطوية، تتساوى في ذلك أميركا بإيران، وغير هذه هنا، بغير تلك هناك، وهو لا يعدو أن يكون عرضاً من أعراض هذه الثقافة، تماماً كما الحرارة للجسد، تؤشر بأن ثمة خللاً ما في مكان ما وجب التصدي له، وإلا كان الهلاك.

قبل أيام كتبت صديقة على صفحتها نقداً لمن يهللون فرحاً بمسيرة النساء في مدن الولايات المتحدة المختلفة، ونصحت المتحمسين بأن الأَولى بهم الاهتمام بشأن النساء والأقليات والمهاجرين في بلدانهم، وهو قول صواب، ولأنني كنت من هؤلاء المتحمسين، فقد استوقفتني نصيحتها فعلاً، وسألت نفسي: لمَ كل هذه الجلبة؟ ما يعنيني أنا مِن مطالب في سياق غير سياقي؟ وبنبرة شبه انتهازية تساءلت: " what's in there for me"؟

الحقيقة أنني وجدت الأمر يعنيني، ويعنيني جداً، ليس "لأن العالم قرية صغيرة"، هذه الجملة التي أصبحت مبتذلة لكثرة استخدامها في مكانها وغير مكانها، وإنما لأنني في قرارة نفسي، مهما انتقدت الغرب وتاريخه الاستعماري الإجرامي، وهذه حقيقة ثابتة، وأطماعه في منطقتنا والعالم ورأسماليته المتوحشة، وهذه أيضاً حقيقة مجهور بها ولا غبار عليها، رغم كل هذا لا أستطيع أن أنفي أن الشعوب هناك حققت على امتداد القرن الماضي مكتسبات حقوقية عظيمة، جعلت مجتمعاتها، أحببنا ذلك أم لم نحب، أكثر عدلاً ومساواةً، وإن كانت ما زالت بعيدة عما يجب أن يكون عليه الحال عقب آلاف السنين عن بدء الحضارة الإنسانية.

تحمسّت وغيري لمسيرة واشنطن ونحن هنا على بُعد آلاف الأميال؛ لأن الدفاع عن تلك المكتسبات والقيم، وإن كانت لا تمسّنا بشكل مباشر، هو دفاع عن نموذج وأمل ممكن.

يكفي أن يسقط "منطق الأشياء" على يد متعصب هناك، ويفرض حقائقه البديلة، حتى يجد أمثاله في كل مكان مبرراً لسقوط تلو سقوط، وتلك هي الانتكاسة العظيمة.

أظن أننا نحن غير الأميركيين، سكان المستعمرات "السابقة" القابعين في الطابق السفلي لا نراوحه، غاضبون بشكل مضاعف من ترامب؛ لأنه يشبه أسوأ ما فينا، ولأننا صدقاً سئمنا أمثاله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.