المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حكم البابا  Headshot

لماذا خاف نزار قباني أن يحرموه قبره في دمشق!؟

تم النشر: تم التحديث:

ذكرني احتفاء محرك البحث Google بالشاعر السوري نزار قباني، بوضع صورته على الصفحة الرئيسية لـ Google في الذكرى الثالثة والتسعين ليوم مولده يوم 21 مارس/آذار الماضي بتاريخ من الكيدية والتجاهل والإهمال والاستسخاف الذي تعرض له قباني وشعره في بلده سوريا خلال سنوات الحكم البعثي من قبل كل السلطات التي تعاقبت على حكم سوريا منذ الثامن من مارس 1963 وحتى اليوم.

فعلى الرغم من أن نزار قباني في شعره وفي مواقفه المعلنة لم يكن في يوم من الأيام معارضاً لكثير من أنظمة الحكم العربية، ولم تتجاوز مواقفه السياسية حدود الالتزام بالقضايا الوطنية الكبرى المتفق عليها تقريباً بين كل العرب، ولم يُعرف عنه مهاجمته صراحة لنظام عربي محدد بعينه، باستثناء موقفه من النظام السوري عندما فجَّر السفارة العراقية في بيروت، وقضت زوجته بلقيس في التفجير، ومهاجمة الحاكم العربي بشكل عام وبدون أسماء، إلاّ أن الحكم البعثي في سوريا كان يرى في نزار قباني عدواً تاريخياً له، رغم الاحتفاء به على مضض في بعض الأحيان التي لم يكن يستطيع فيها تجاهل قيمته ووجوده.

منذ انقلابه في عام 1963 اعتبر الحكم البعثي -الذي كان خلطةً ريفيةً طائفيةً أيدلوجية نزار قباني- عدواً له، فمن جهة كان نزار قباني في نظرهم سليل حالة دمشقية مدنية حاول الانقلابيون طمسها ومحوها خلال سنوات حكمهم، وفرض نمط حياتهم وعاداتهم وثقافتهم وأدبائهم بديلاً عنها، وساعدتهم شعارات الاشتراكية ومصطلحات الشيوعية التي أخفوا داخلها كل حقدهم على ما هو مدني ومختلف عنهم، بوصفه بالرجعية والبرجوازية، وكانت محاولة تغييب نزار قباني والاستهانة بشعره وتحجيمه بكونه مجرد شاعر غزليات ساذجة، ليست مهتمة بالصراع الوطني أو الطبقي جزءاً من همّ وهدف هذا الانقلاب، تماماً بنفس الطريقة التي سُرّح بها ضباط الجيش السوري الدمشقيين من الجيش، واستبدل بها موظفي الدولة السورية، بجيش من رعايا ومحازبي وأتباع الانقلابيين، إلى حد أصبح فيه حرف القاف الأكثر سماعاً فيها، كما كتب مرةً الدكتور سامي الجندي أحد وزراء إعلام الانقلاب في وصف ما حدث من تبدّل لحالة الإدارة السورية.

ومن جهة ثانية كان نزار قباني وسواه من الكتاب والشعراء السوريين عقبة يجب تهشيمها عبر تشويهها لفرض ثقافة أخرى وكتاب وشعراء جدد ينتمون إلى نفس الأصول والطوائف والأيدلوجيات التي كان ينتمي إليها قادة الانقلاب، وابتداءً من ستينيات القرن الماضي أنتج الحكم البعثي مجموعات كبيرة من هؤلاء، تمت رعايتهم من قبل كل أجهزة السلطة وإعلامها باعتبارهم ثوريين، ويمثلون الأدب الجديد.

الأحزاب والتيارات الشيوعية التي توالدت من رحم الحزب الشيوعي الأم منذ سبعينيات القرن الماضي، والتي تسرب إليها نفس النسيج الطائفي والاجتماعي للانقلابيين البعثيين ساهمت في تلك المعركة بفرض ثقافة وأدب أنصاف وأرباع وأخماس المواهب التي احتلت المنابر الثقافية والإعلامية في سورية، وساهمت في معركة تشويه نزار قباني وسواه.

لكن هذه المعركة السلطوية ضد نزار قباني لم تنل في لحظة من اللحظات من قيمة نزار قباني عربيًّا وانتشاره شعبيًّا، ولزمن طويل (وربما حتى اليوم) لا يزال الشاعر العربي الأكثر شهرة وشعبية، لا ينافسه في ذلك إلاّ محمود درويش، الذي ومن دون أي مس بقيمته الكبيرة كشاعر عظيم، ساعدته فلسطين في الانتشار جماهيريًّا، في حين لم يتكئ نزار قباني على أي عكاز غير شعبية شعره للحصول على الجماهيرية التي تمتع بها.

كان نزار قباني مدركاً لهذه الحرب الكبرى عليه كشاعر وعلى القيم التي يمثلها، وواعياً للعدو الذي يواجهه، وربما لهذا السبب اختار بيروت أولاً ثم لندن بعد الحرب الأهلية اللبنانية، ولم يفكّر بالعيش في مدينته دمشق التي أحبها وتغزّل بها طوال عمره، ومن فرط إدراكه لحقد أعدائه، فضّل أن يعود إليها ميتاً ويدفن في أرضها على أن يعيش فيها حيًّا، ولذلك أجاب مرة المخرج بسام الملاّ (الذي كُلّف من قبل التلفزيون السوري بتصوير قصيدته الاعتذارية) عندما سأله عن سبب عودته طالباً المصالحة مع النظام بعد القطيعة التي سببتها له قصيدته الشهيرة "بلقيس"، وهو الذي يعيش في لندن، ولا يحتاج للنظام لا من قريب أو بعيد، بقوله: هؤلاء حقودون، وسيمنعون عني قبري في دمشق، وأنا أصالحهم لأحتفظ بحق دفني هنا.

كان نزار قباني على حق، وأنا واحد من شهود الحقد الذي تجلى بأبشع صوره على نزار قباني عند وفاته، فبعد إعلان نبأ الوفاة في لندن أمر حافظ الأسد بإرسال طائرة لتقل جثمانه من لندن، وليوم واحد بدأ الإعلام السوري بالكتابة عن نزار قباني، ثم فجأة صدر توجيه من وزير الإعلام محمد سلمان آنذاك بعدم ذكر نزار قباني نهائياً وبشكل قطعي في أي من وسائل الإعلام السورية، في الوقت الذي حظيت فيه وفاته باهتمام عربي ملفت ولأكثر من عشرة أيام، أعيد فيها نشر وبث مقابلاته، وأجريت ندوات حول شعره، وبعد استقصاء طويل تبيّن لي ولغيري من المهتمين بمعرفة سبب هذا الصمت الإعلامي المفاجئ تجاه وفاته، أن ابنة الشاعر الصغرى قالت لوفد السفارة السورية في لندن الذي جاء ليعزيها: قتلتم أمي واليوم أتيتم لتسرقوا أبي، ونقل كلامها إلى دمشق، فصدرت الأوامر للإعلام المكتوب والمرئي والمسموع بمنع ذكر نزار قباني، ولم يفكّر أحد للحظة بأن يتسامح مع كلام انفعالي قالته ابنة مفجوعة بموت والدها.

أتذكر أن جنازة نزار قباني خلت من المثقفين، ولم يكن بين منتظري الجثمان الذي جاء من مشفى الشامي إلى جامع بدر بدمشق أيٌّ من الشيوعيين أو التقدميين الذين كانوا يرتادون الأمسيات الشعرية والمسرحيات والندوات الأدبية والفنية التقدمية، وباستثناء بعض الفنانين العرب الذين غنوا من أشعار نزار قباني ككاظم الساهر ولطيفة التونسية، كان جمهور الجنازة من محبي نزار قباني، وكان في أغلبه من الشباب، والفتيات كُنَّ متوزعات بين محجبات وبدون حجاب.

وأتذكر كيف سرق هؤلاء الشباب والشابات الجثمان من على درج جامع بدر ورفضوا أن يُدخل في سيارة دفن الموتى، وضربوا طوقاً حوله لمنع أي محاولة اقتراب منه، ولم تفلح كل محاولات عناصر المخابرات تخليصه من أيديهم وإيداعه سيارة دفن الموتى خلال طريقهم من حديقة الجاحظ مروراً بشارع أبو رمانة إلى جسر الجامعة فالحلبوني فشارع النصر فباب الجابية وصولاً إلى مقبرة باب الصغير.

أتذكر هتافات المشيعين التي كانت ترد على إعلام حافظ الأسد ومحمد سلمان الصامتين المتجاهلين لوفاة شاعرهم، وهم يقولون "الشام شامنا ونزار نزارنا" و"أبو رمانة هوجي هوجي، ويا شاغور هوجي هوجي، وياشام هوجي هوجي"، وأتذكر عندما خاف المشيعون من النزول بالجثمان إلى ساحة المرجة بعدما طالبتهم أصوات بذلك، وهمّوا بالانعطاف نحوها من شارع النصر ولكنهم تراجعوا، وأتذكر عندما رُفع على الأكتاف طفل وهو يرتدي بزّة عسكرية مموهة بكل ما تعنيه من رمزية عسكرية ومرجعية تذكّر بقوات سرايا الدفاع المجرمة، وصدرت هتافات من بعض من كانوا يمشون في التشييع تحث المشيعيين على الهتاف بالروح بالدم فداءً لحافظ الأسد، فكان هؤلاء يردون عليها بقراءة الفاتحة بصوت عالٍ وموحد، أو بالهتاف "لا إله إلاّ الله، والشهيد حبيب الله"، وأتذكر الأقدام المدماة التي فقدت أحذيتها للشباب الذين ضربوا طوقاً حول الجثمان ومنعوا أحداً من اختطافه منهم، ونجحوا في الوصول به إلى مقبرة باب الصغير.

أتذكر تلك الجنازة التي كان فيها جسد نزار قباني المسجى داخل تابوت أقوى من كل من حوله، وأن المشيعيين كانوا يتمسكون به لأنه مصدر قوتهم، وأن اختطافه من بين أيديهم سيعني انتهاء كل شيء وعودة الصمت إلى كل شارع يعلو صوته خلال مرورهم فيه، وأتذكر أن جنازة نزار قباني كانت المظاهرة الأولى ضد حكم حافظ الأسد الطائفي، وأظن أن حافظ الأسد ربما فكّر طويلاً ذلك اليوم بما حدث في التشييع، وأنه أدرك أن مجازر حماة وتدمر وحلب وجسر الشغور وكل السجون والقهر والذل لم تنل من إرادة الشعب السوري، وأنه كان على حق حين اعتبر أن نزار قباني بما يمثله من رمزية هو العدو الحقيقي والمخيف له ولنظامه ومشروعه الطائفي.

مضت سنوات بعد وفاة نزار قباني وكان ذكره يمر لماماً وعلى خجل، ولم يتجرأ أحد على تذكره بأسبوع أو بيوم في السنة، في حين كان يُحتفى لمدة أسبوع كل عام بشاعر ضعيف الموهبة، وتحوّل كاتب مسرحي من الدرجة الرابعة إلى أيقونة، لأنهما ينتميان إلى نفس النسيج الاجتماعي لسلطة الانقلاب، ويعتبران هما وغيرهما من وجوهها، وينتجان أدباً اغتصابياً يتعامل مع المدينة ودمشق على وجه الخصوص بكل ما تمثله من قيمة مدنية وحضارية وتاريخ كماخور، على عكس شعر نزار قباني الذي خلّدها كسجادة صلاة وبستان زهور وخزانة حضارة.

شكراً Google إذ يُذكّر السوريين بأن الأيدلوجيات والانقلابات لا تصنع أدباً، ولا تستطيع أن تنهي شاعراً..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.