المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حكم البابا  Headshot

الديمقراطية مقابل البيرة

تم النشر: تم التحديث:

ثلاثة وعود قدمها السيسي حين قام بانقلابه العسكري في 3 يوليو 2013 ضد الرئيس المنتخب محمد مرسي، أولها الحرية عبر وعده بالحفاظ على مكتسبات ثورة 25 يناير 2011، وثانيها الحفاظ على زجاجة البيرة في أسواق ومطاعم مصر عبر ادعائه أن انقلابه كان هدفه منع أخونة الدولة، وثالثها وعده بالقضاء على الإرهاب مستفيداً من الفوبيا الدولية للتوأمة بين الإسلام والإرهاب، واستطاع أن يجمع حول وعوده تلك تحالفاً عريضاً مؤلفاً من فلول النظام القديم الفاسدين من رجال أعمال وموظفي الدولة العميقة والإعلاميين المرتشين، وطيفاً واسعاً من الأقلية القبطية، وبقايا أحزاب وكوادر اليسار المصري الفاشل، إضافة إلى دول عربية أرعبتها فكرة التحوّل الديمقراطي السلس في أكبر دولة عربية، وأخرى غربية خافت من أن يكون وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة في الدولة العربية الرئيسية إيذاناً ببداية وصول الجماعات الإسلامية إلى الحكم في منطقة مهمة من العالم، بما يعني في تفسيرها وحسب وجهات نظرها وصول الإرهاب إلى الحكم بأكثر الطرق مشروعية عبر صناديق الاقتراع.

على عكس محمد مرسي الذي بذل خلال السنة القلقة التي حكم فيها مصر كل ما يملكه من وعود وتطمينات للتقليل من خوف وخشية ورعب كل أطراف التحالف المعادي له داخلياً وخارجياً ولم يفلح، وكان عليه كل يوم أن يبرر ويشرح ويفسّر كل فعل يقوم به وكل قرار يصدره وكل كلمة ينطق بها، وكان طوال الوقت موضع شك واتهام وريبة ونظريات مؤامرة.. على عكسه جاء عبد الفتاح السيسي وفي جيبه شيكاً على بياض بحكم مصر والتصرّف بالبشر والشجر والحجر كيفما يشاء، وبالطريقة التي يريد، ووضعت دول ووسائل إعلام وجماعات وأحزاب وقوى كل إمكانياتها وخبراتها لتحويل انقلابه العسكري الأسود إلى عرس ديمقراطي شعبي زاهي الألوان، ونجحت إلى حد كبير محلياً وعربياً ودولياً في هذا، بل وتعدّت ذلك إلى تغيير مفاهيم من قبيل أن الديمقراطية والانتخابات وصندوق الاقتراع أمر ثانوي وغير مهم إذا كان من سينجح عبرهم خصمنا، ودائماً كانت الحجة الحفاظ على وحدة البلد وهويته وتنوعه، وهي الذريعة التي لا تستخدم إلاّ إذا كان الطرف الآخر إسلاميا.

لا يعني كلامي أني أعتبر الإخوان المسلمين ملائكة بأجنحة بيضاء، فهم في رأيي حزب سياسي شمولي مثلهم مثل كل الأحزاب الشمولية الأخرى، اليمينية واليسارية، ولو قدّر لهم أن يستأثروا بالسلطة لما تعففوا، ولو استطاعوا أن يحكموا حكماً مطلقاً لما مدوا أيديهم إلى أحد رغبة في المشاركة، ولكن الحكم على أية جماعة لا يتم عبر المحاسبة على النوايا، أو على آرائنا فيها، أو على ما نظن أنها قد تقوم به في يوم من الأيام، وإنما يتم عبر محاسبتها على تصرفاتها وأفعالها ومراقبتها حتى لا تتحول إلى سلطة مطلقة، وأيضاً لا يعني اختلافنا مع حزب أو جماعة أو مع آرائهم أو توجهاتهم أن نفضل الانقلاب العسكري على صندوق الاقتراع فيما وصل خصومنا السياسيون عبره إلى الحكم.

استخدمت حجج وذرائع كثيرة لشيطنة الرئيس المنتخب محمد مرسي وتحويل قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي إلى ملاك، ونسي المصريون الذين كانوا يهتفون خلال فترة حكم المجلس العسكري بعد تنحي حسني مبارك شعارهم "يسقط حكم العسكر"، وانتشرت صور تقبيل الأحذية العسكرية على نطاق واسع في الشارع المصري، وأصبح الجيش شعاراً للديمقراطية، وخرج كثير من المثقفين والمحللين السياسيين على شاشات التلفزيون ليتحدثوا عن أخونة الدولة التي كان يقوم بها محمد مرسي وجماعته، ولو سئل هؤلاء أية أخونة للدولة تتحدثون عنها، والسيسي لم يجد موظفاً واحداً في الدولة الإخوانية المفترضة التي تتحدثون عنها يواجهه أو يتصدى له عند الشروع بانقلابه العسكري؟ فالجواب هو أنهم كانوا يهمون بأخونة الدولة، ولكن انقلاب السيسي حال دون وصولهم إلى هدفهم، بمعنى المحاسبة على النوايا وقراءة الأفكار والتبصير بالفنجان، وعند سؤالهم عن مدى إيمانهم بالانتخابات وصندوق الاقتراع، فمثالهم الأثير عن وصول هتلر إلى حكم ألمانيا عبر صندوق الاقتراع جاهز، أما أطرف الكذبات التي كانت ومازالت تروج منذ ثورة 25 يناير على ألسنة بقايا اليساريين والقوميين وحتى اليوم فهي أن جماعة الإخوان المسلمين لم تشارك في الثورة المصرية إلاّ في الأيام الأخيرة منها، وأنها سرقت الثورة، وكأن كوادر هذه الجماعة التي قضت نصف أعمارها على الطريق من وإلى كل السجون المصرية خلال فترات حكم عبد الناصر والسادات ومبارك كانوا موظفي تفتيش في مصلحة السجون وليسوا سجناء!!

أول ما فعله السيسي بعد انقلابه كان القضاء على شركائه الذين غطوا انقلابه العسكري، فهرب الدكتور محمد البرادعي، ورُمي حمدين صباحي في أقرب سلة نفايات بعد أن أدّى دوره ككومبارس صامت في انتخابات السيسي، وألغي برنامج باسم يوسف، وزُج بالعديد من أبرز وجوه ثورة 25 يناير في السجون، وضُيّق على الاعلام، وصودرت حريات الكتّاب، وعاد ضابط الشرطة أميراً متوجاً في كل الشوارع المصرية، ولم تعد التهم تحتاج إلى أدلة، وتحولت الوشاية إلى دليل قطعي، وصار القضاء مجرد دائرة لتنفيذ الأحكام، وشُرعنت الجرائم وعمليات القتل والمجازر الجماعية والتعدي على القانون بذريعة محاربة الإرهاب، ولم تفلح كل مساحيق التجميل التي صبغ بها السيسي وجه انقلابه العسكري، ولا استعارته لتون ورومنطيقية هاني شاكر في نغمة صوته وخطاباته، ولا تقليده لرفرفة عيون سعاد حسني في فيلم "خلي بالك من زوزو" خلال مقابلاته التلفزيونية عبر سنتين ونصف من إخفاء وجه انقلابه العسكري الأسود.

واليوم الدول التي سكتت عن مجازره واستقبلته كرئيس شرعي ودارت ولفت طويلاً حينما كانت تُسأل عن موقفها من انقلابه العسكري ومجازره بعد أن قدّم أوراق اعتماده لها باعتباره خط الدفاع الأول عنها في مواجهة الإرهاب، لم تتنازل لتشاركه بمعلوماتها الاستخباراتية حول سقوط الطائرة الروسية في سيناء، وتُرسل طائراتها بالعشرات لتحمل رعاياها إلى بلادهم، والمصريون الذين هتفوا له على الشاشات عند انقلابه لم يكلفوا أنفسهم عناء الذهاب إلى صناديق الاقتراع لانتخاب ما يفترض أنهم ممثليهم إلى مجلس الشعب، والإعلام العربي الذي زيّن انقلابه بالورود أصبح أقل حماسة وتبريراً وهو يشاهد قلة عدد الناخبين الذين يتوجهون إلى مراكزه الانتخابية، والمواطنين الذين يتنقلون بالزوارق في شوارع تحولت إلى أنهار بعد يوم ماطر، وعدد المعارضين له من غير الإخوان المسلمين الذين يساقون إلى السجون، وسخرية العالم من توسعة قناة السويس باعتبارها هدية السيسي للعالم الذي لا يحتاجها، وغيرها من المشاريع الخلّبية التي تهدف لاستجداء الدعم الخارجي والتغطية على الفشل الداخلي، ومن بين كل الوعود الكثيرة التي قطعها عند انقلابه العسكري، الوعد الوحيد الذي استطاع السيسي أن يحققه كان الحفاظ على زجاجة البيرة في أسواق ومطاعم مصر.

في فيلم "السقوط" الذي يروي الأيام الأخيرة من حياة هتلر، يأسى بعض أركان حربه لما يصيب المواطنين المدنيين من قتل وتدمير، فيرد عيه غوبلز وزير إعلام هتلر: هم أعطونا تفويضاً، وعليهم أن يدفعوا الثمن!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.