المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حكم البابا  Headshot

أشهر كذبات الثورة السورية

تم النشر: تم التحديث:

تعرّض صمود ثوار سورية البطولي في وجه آلة نظام بشار الأسد العسكرية والأمنية وحلفائه متعددي الجنسيات والهويات إلى تبخيس ولا يزالون، فمنذ أربع سنوات ونصف هي عمر الثورة، تعمل آلة إعلامية ضخمة وماكينة شائعات كبرى على تشويه كل ما يقوم به الثوار، واختراع أكاذيب، وتهويل أحداث بهدف قلب الحقائق وبناء رواية مزيفة للثورة السورية، وكان من الطبيعي أن يقوم نظام الأسد الصغير باختلاق القصص الكاذبة لبناء روايته عن المؤامرة الكونية التي يتعرّض لها، وكان من البدهي أن يشاركه حلفاؤه بترويج هذه الرواية وإضافة قصص وتفاصيل وأحداث لإغنائها ودعمها وتسويقها، لكن المفاجئ فعلاً أن أكثر من لعب بالحقائق والوقائع والأحداث واختلق الروايات الكاذبة هم من الذين يحسبون على الثورة، بهدف سرقة إنجازات غيرهم وتبخيس عمل سواهم.

كان ولا يزال الحنين لمرحلة السلمية الأولى في الثورة وتحميل من عسكرها مسؤولية تطويل عمر النظام أول وأشهر الكذبات التي أشيعت، ولازال أصحابها يتداولونها بحسرة ونظرة ساهمة مع دمعة إكسسوارية مغرغرة في طرف أعينهم لزوم بناء التأثير العاطفي في المشهد، مع أن أصحاب هذه الرواية متأكدون أكثر من أي أحد آخر أن النظام هو من بدأ باستخدام الرصاص ضد المتظاهرين العزّل، وأن أول من قتل وفي اليوم الأول للثورة بتاريخ 18 مارس 2011 كان محمود الجوابرة في درعا، ومن غير المعقول أن يكون رفاق الجوابرة هم الذين قتلوه أو أنه أطلق النار على نفسه ليتهم النظام بذلك، وأن متوالية العنف التي بدأها النظام بإطلاق الرصاص الحي على المظاهرات، استمرت مع إطلاق النار على مشيعي شهداء المظاهرات، ثم مع مشيعي الشهداء الذين سقطوا خلال تشييع شهداء المظاهرات، وهكذا دواليك، وقد اعترف بشار الأسد لاحقاً في أحد خطاباته بأن الثورة بقيت سلمية في الستة أشهر الأولى من عمرها.

وأصحاب هذه الكذبة أكثر من سواهم يعرفون أن لجوء الثوار للسلاح كان اضطرارياً وبهدف الدفاع عن أنفسهم بعد ستة أشهر من القتل المتواصل وإطلاق قوات بشار الأسد النار على متظاهرين سلميين عزّل، ويعرفون قبل غيرهم أن نظاماً مثل نظام الأسد قتل 40 ألف شخص في مدينة حماة عام 1982، وربما أكثر منهم في مدن أخرى على مدار سنوات حكمه، واعتقل آلاف الأشخاص لمدد تتراوح بين العقد والعقدين بسبب الانتماء إلى أحزاب لا تحل ولا تربط، أو إصدار بيانات لم يتجاوز عدد قرائها المائة شخص في أحسن الأحوال، لا يمكن إسقاطه لا بمظاهرات سلمية ولا بعصيان مدني، وكان ولا يزال يُفضّل قتل نصف الشعب السوري من دون أن يرف له جفن، على أن يقدّم تنازلاً صغيراً أو يبدّل واحداً من رموزه الأساسيين، وما حدث خلال أربع سنوات ونصف من عمر الثورة من قتل وتدمير وتهجير وتشريد كافٍ ليكشف عقل النظام وماهيته وآلية عمله، ولكنه غير كافٍ لإقناع أصحاب الدمعة المغرغرة العالقة في طرف العين، الذين كانوا ولا يزالون يفضلون التضحية بحيوات غيرهم على الاقتناع بأن الدفاع عن النفس حق مشروع تنص عليه كل شرائع العالم!

كذبة ثانية لا تقل أهمية وخطورة رافقت الكذبة الأولى روجها نفس أصحاب الكذبة الأولى وهي أن الثورة تأسلمت، وسرقت من أصحابها الحقيقيين، ويعنون بآخر كلمتين قبل الفاصلة ذواتهم الفاضلة، وهم يعرفون أكثر من سواهم أن المظاهرات الأولى للثورة وعلى مدى أشهر كانت تنطلق من المساجد بعد صلاة الجمعة، وأن بعضهم كان إذا أراد المشاركة في تظاهرة كان عليه أن يتوجه لمساجد محددة في أماكن محددة كانت تنطلق منها التظاهرات (ولن أدخل هنا في نقاش يحتاج لمساحات لا يتسع لها هذا المكان حول لماذا بقي المسجد هو المكان الوحيد الذي يسمح فيه بالتجمع في سورية الأسد)، وأن أكثرية السوريين هم من المسلمين، وأن الأكثر تضرراً من نظام حافظ وبشار الأسد هم الأكثرية المسلمة، باعتراف النظام نفسه الذي يروّج لنفسه باعتباره حامي الأقليات، وبدليل المناطق المستهدفة بالقصف والقتل في سورية، وأن المسلمين إذا تحمسوا أو أرادوا التهليل أو مواجهة الخطر يقولون: الله أكبر، وليس بالروح بالدم نفديك يا حافظ، أو فيفا اسبانيا، أو دا زدراستفوت لينين، وأن هؤلاء هم الذين كانوا يخرجون في المظاهرات وتُطلق عليهم قوات بشار الأسد النار، ويسقط منهم الشهداء.

ولذلك فالثورة ثورة هؤلاء بالأساس لم يسرقوها أو ينشلوها من أحد، وأن مشاركة أصحاب هذه الكذبة في المظاهرات أو التشييع أو العزاء كانت رمزية وإعلامية أكثر من كونها حقيقية ويومية ومستمرة، وأن المظاهرة الوحيدة التي خرج بها بعض الفنانين والصحفيين وتعرضوا خلالها لبعض المماحكات الجسدية البسيطة بدون إطلاق رصاص، والاحتجاز الرمزي لدى الشرطة الجنائية وليس في أي مقر من مقرات المخابرات المخيفة لم يعيدوها، ولاحقاً استثمروها إعلامياً لتحصيل مكاسب شخصية في كل البلاد التي لجؤوا إليها، وهم أول من غادر سورية في أول فرصة تاركين الثورة في أيدي من يتهمونهم بسرقتها.

ترتبط بهاتين الأكذوبتين السابقتين كذبة ثالثة لتأكيد وتضخيم الرواية تقول إن النظام أفرج عن المعتقلين الإسلاميين في بداية الثورة لتخريبها وتشويهها، وعلى سبيل المثال يذكرون أسماء زهران علوش والمرحوم حسان عبود وأبوعيسى الشيخ، ثم ينهون حديثهم بابتسامة عريضة.

ومن الطبيعي أن لا يذكر هؤلاء أن بشار الأسد خلال محاولاته المتكررة للقضاء على الثورة، وبعد أن اكتشف أن الرصاص الذي أطلقه على المتظاهرين، جاء بنتيجة عكسية وساهم في زيادة حجم ورقعة المظاهرات بدلاً من أن ينهيها، حاول استعطاف الشعب الثائر بإجراءات أخرى مثل إلغاء العمل بقانون الطوارئ، وإصدار عفو عام لا يشمل فقط المعتقلين السياسيين بل يتضمن الجنائيين، وليس محصوراً بالإسلاميين، ومن بين الذين أطلق سراحهم من غير المحسوبين على الإسلاميين - على سبيل المثال - وليد البني وكمال اللبواني، لكن أحداً من أصحاب نظرية إطلاق المعتقلين الإسلاميين لتخريب الثورة، ينسى كل من أطلق سراحه ويتذكر الإسلاميين فقط لتأكيد فكرته.

لا أريد أن أدخل في مناقشة هؤلاء الذين يطالبون بالحرية والديمقراطية، وفي نفس الوقت يتضمن استياؤهم من إطلاق سراح الإسلاميين رغبة مبطنة بقمعهم والاحتفاظ بهم في السجون، أو المقارنة بين ما إذا كان الذي قامت بتخريبه في الثورة المعارضة السياسية المدنية التي أطلق بشار الأسد سراحها من سجونه أكثر أو أقل من الخراب الذي أحدثته المعارضة الإسلامية، فهذه مسألة يستطيع المتابع لثورة الشعب السوري أن يميّزها بدون كبير عناء، لكني أفكّر فعلاً كيف يستطيع هؤلاء أن يغمضوا أعينهم عن الحياة ويسدوا آذانهم عن صوت الواقع ليستمعوا فقط لكليشيهات أفكارهم؟ وأي حرية يطلبونها وهم ينكرون أفعال مجموعة يختلفون معها، ويزورون التاريخ والواقع ليسلبوا منها انجازاتها، ويتمنون لها في قرارة أنفسهم البقاء في المعتقلات والسجون؟ وأي ديمقراطية يطالبون بها وهم لا يريدون إلاّ سواهم وطريقة تفكيرهم وأسلوب حياتهم؟ وأي حقوق إنسان يتناقشون فيها وهم يستثنون منها خصمهم الفكري ويصفقون للطائرات التي تقصفه؟!

بالمناسبة، حدث ما يشبه هذا في الثورة المصرية، ولو سألت أياً من الذين أيدوا انقلاب السيسي على محمد مرسي الذي أوصله صندوق اقتراع نزيه باعتراف الجميع إلى كرسي الرئاسة: كيف تتحدثون عن الحرية والديمقراطية وتؤيدون في نفس الوقت انقلابا عسكريا على سلطة منتخبة؟ سيقولون لك بنفس المنطق المتهافت الذي يتحدث به نظراؤهم في سوريا إن الإخوان المسلمين الذين نجحوا بنسبة 52% سرقوا الثورة وهم آخر من التحق بها، وكأن جماعة الإخوان المسلمين كانت تجلس على القهوة وتلعب عشرة طاولة خلال حكم مبارك ولم تكن أوضح الجماعات في معارضة نظامه وأكثرها تردداً على سجونه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.