المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حكم البابا  Headshot

حكاية مناضل وقصة صورة

تم النشر: تم التحديث:

هزتني وفطرت قلبي صورة المناضل مازن درويش الحاصل على ثلاث جوائز عالمية خلال فترة سجنه التي اقتربت أو تجاوزت الثلاث سنوات في زنازين ومهاجع ومعتقلات وسجون النظام السوري القمعي، والذي لم تبق منظمة حرية صحافة ودفاع عن معتقلين في الشرق والغرب إلاّ وأصدرت بيانات تندد باعتقاله، وتتخوف على حياته في معتقلات النظام السوري الرهيبة، سيئة الصيت والمعروف عنها ممارسة أبشع وأشد أنواع التعذيب بحق المعتقلين، وحكايات وصور التعذيب فيها لا تحتاج لأدلة أو براهين.

الصورة التي نشرتها مؤخراً المناضلة ميس كريدية للمناضل مازن درويش في بيتها في دمشق بعد خروجه من السجن ومن ثم تبرئته من التهم التي وجهت إليه، تقدّم دليلاً لا يقبل الدحض، ولا يدع مجالاً للشك عن عنف وشراسة وإجرام النظام السوري، وعدم احترامه لحقوق الإنسان ولممارسته أبشع وأشد أنواع التعذيب ضد معتقليه.

2015-09-06-1441568678-1134830-.JPG

قد تبدو صورة مازن درويش خادعة للبصر للوهلة الأولى، فيعتبرها غير المدقق والذي لا يعرف شكل مازن درويش قبل اقتياده إلى المعتقلات السورية عادية: رجل بكامل صحته و"مربرب" حسب التعبير العامي، بوجه دائري تبدو عليه علامات الراحة والحبور، يتناول ثلاث وجبات غذائية في اليوم مليئة بالنشويات والسكريات والبروتينات والكربوهيدرات، وينام جيداً بعمق لمدة لا تقل عن ثمانية ساعات يومياً، وليست لديه هموم تعكّر صفو تفكيره وهدوء وجهه، وهي صورة تتنافى مع كل صور المعتقلين التي سربها لهم من أُطلق عليه اسم قيصر الذي كان مكلفاً بتصوريهم في السجون السورية عقب انشقاقه وانتشرت على نطاق واسع، ومع الفيديوهات والصور التي نشرت لمعتقلين بأجساد أقرب شبهاً بالأشباح والهياكل العظمية المغطاة بطبقة خفيفة من الجلد.

القراءة السطحية لصورة المناضل مازن درويش تؤدي إلى هذا الاستنتاج التبسيطي الساذج، لكن الحقيقة والواقع ومن يهتم بالولوج إلى العمق ولا يقف عند السطح، ويقرأ مابين السطور ولا يكتفي بالسطور، ومن يدخل إلى المعنى ولا يتوقف أمام المبنى، ومن يهمه الباطن ولا يقنع بالظاهر، يستطيع أن يفهم ويعي ويدرك لآلية التعذيب الجهنمية التي تعرض لها الرجل، فجزء من تعذيبه كان إجباره على تناول ثلاث وجبات دسمة غنية بالسعرات الحرارية في اليوم، إن لم يكن أكثر، وإمعاناً في تعذيبه وإذلاله لم يسمح له النظام القمعي بالذهاب يومياً إلى نادٍ رياضي، لأداء بعض التمارين، التي يمكن أن تساعده على التخلص من وزنه الزائد، والاحتفاظ بقوام رشيق، وإذا أضفنا لعاملي الطعام الدسم وقلّة الحركة والنشاط، احتجاز الرجل هذه المدة الطويلة بما تعنيه من وقت فارغ، يتسلى الناس فيه عادة بالطعام والشراب إذا لم يكن لديهم أمر يشغلهم ويقلق بالهم، سنكون أمام حالة اكتئاب قاسية تعرّض لها السجين، وساهمت في زيادة وزنه بهذه الطريقة الملفتة للنظر والمثيرة للقلق!

بغير هذا التحليل لآلية التعذيب الشيطاني الممنهج الجديدة التي تعرض لها المناضل مازن درويش، التي أضافتها المخابرات السورية لمدرستها في التعذيب، وهي وحدها تملك براءة اختراعها، ستكون الجوائز الدولية الثلاث وآلاف الصفحات من البيانات والاستنكارات والتنديدات، عن القلق لاعتقال المناضل مازن درويش، والقلق على حياته، والقلق من اختفائه داخل السجن وانقطاع أخباره، والقلق من نقله من سجن إلى آخر، والقلق من جلسات محاكمته وحضوره أو تغيبه عنها، والقلق من الحكم عليه بالإعدام، أمراً مثيراً للسخرية بالمقارنة مع صورته بصحته الكاملة بعد خروجه من السجن في بيت المناضلة ميس كريدية، وحكم البراءة الذي صدر بحقه من أكثر محاكم الدنيا عدلاً وإنصافاً وحيادية، وأقصد محكمة الإرهاب في سورية.

بقي لدي أمر واحد أحب أن أضيفه بشأن مدارس التعذيب المسجلة حصرياً باسم المخابرات السورية، وهي تملك وحدها براءة اختراعها، منها التعذيب باستخدام الفيسبوك والتويتر داخل السجن التي مورست لتعذيب المناضل لؤي حسين فأجبر على استخدامهما لكتابة تغريدات وستاتوسات يُضمنها رأيه السياسي الكامل الحرية في الأحداث على الساحة السورية من معتقله، ومنها أسلوب التعذيب بإضافة كوكتيل الحليب والفريز إلى لائحة الطعام التي تُقدم للمعتقل في سجون الأمن السياسي بدمشق، واستدعاء الطبيب الخاص بالمعتقل إلى زنزانته، وترك له حرية الاتصال بمن يريد من داخل السجن، وهو التعذيب الذي تعرض له المناضل السابق نبيل فياض، وسبق لي أن كتبت عنه حينها في مقال نشر في عام 2004، أرفقه هنا لمزيد من فضح أساليب النظام السوري في تعذيب معتقليه!

سياحة أمنية في سورية
حكم البابا

لو كتبت فحوى ما جاء في بيان السيد نبيل فياض -الذي أصدره بعد اعتقاله لمدة شهر في أحد فروع الأمن السورية- حول التعامل المغالي في إنسانيته معه في لوحة كوميدية لاتهمت بالمبالغة وموت الإحساس لدي والسخرية من الألم الإنساني، لكن كل هذه الاتهامات لم تمنعني من الابتسام وأنا أقرأ البيان الذي نشر -إمعاناً في السخرية ربما- في الصحافة السورية التي ليس من تقاليدها نشر البيانات الشخصية، فالسيد فياض يفصّل في المعاملة الإنسانية التي تلقاها بدءاً بالسماح له بالاتصال بمن يريد ، ومروراً بإحضار طبيبه الخاص، منوهاً بأنه قضى فترة احتجازه في المشفى تحت الرعاية الطبية التي ربما فاته أن يصفها بالفائقة ، ومذكراً بأن التحقيق معه لم يتعد أسلوب المناقشة المتعاطفة معه ثم إيصاله إلى بيته ، لكن الأمر الوحيد الذي مرّ من (فلتر) السيد فياض -خلال تعداده لخدمات الخمس نجوم الأمنية التي تمتع بها- هو طريقة اعتقاله بعد تفتيش منزله ومكان عمله التي تبدو متناقضة مع ما تلاها من إنسانية فترة الاعتقال !

ذكرني هذا البيان الذي كتب على مايبدو على قاعدة (شر البلية ما يضح ) بمشاهد رويت لي عن معتقلين كانوا يخرجون إلى باحات سجنهم ليهتفوا بفدائهم لمن سجنهم بالروح وبالدم، ولم ينقص السيد فياض في بيانه لتكتمل الصورة الكاريكاتورية إلا دعوة كافة الإخوة المواطنين للتمتع بهذا النوع المبتكر والمريح من السياحة الأمنية، والآن سأدع المخيلة الدرامية جانباً لأتساءل بجد: هل هذا ما يحدث حقاً ليس في حالة اعتقال مواطن، بل في حالة مخففة هي استدعاء مواطن لمراجعة أحد فروع الأمن ، من تجربتي الشخصية أجيب: لا أظن ! فبسبب مقال عن الإعلام السوري كتبته في جريدة النهار عام 2001 ، وقلت فيه أقل مما قاله وزير الداخلية السوري الحالي اللواء غازي كنعان الذي وصف إعلام سورية بأنه لا يقرأ، قضيت ما يزيد عن نصف شهر وأنا أداوم في أحد فروع الأمن يومياً من التاسعة صباحاً وحتى الثانية ظهراً، ومن الخامسة مساءً وحتى العاشرة ليلاً، أسمع خلالها التهديد والوعيد وأتلقى الاتهامات ويُبحث لي عن ارتباطات، وعرفت فيها من الرعب والخوف ما لم أعرفه في أي لحظة من حياتي باستثناء اللحظات المماثلة التي كنت فيها مستدعى إلى فرع أمن آخر، وحتى لا أجد من يقول لي أن هذا الزمن مضى ، إليكم ما حدث معي قبل عدة أشهر فخلال ندوة عقدتها هيئة الإذاعة البريطانية في دمشق كنت أحد المشاركين فيها، اعتذرت عن أخذ جريدة البعث التي كانت توزع على الحاضرين ، وخلال الاستراحة عاتبني رئيس تحريرها -الذي أصبح الآن وزيراً للإعلام- على رميي لجريدته على الأرض، وهو ما لم أفعله ، وسألني بلهجة المهدد إن كنت أعرف باسم أي حزب تنطق هذه الجريدة، وهل أعرف من هو هذا الحزب، ليضيف أخيراً بأن هناك جهات أخرى ستعرف كيف تتحدث معي، وفعلاً لم يمر أكثر من عشرة أيام حتى استدعيت إلى أحد فروع الأمن ليحقق معي بتهمة رمي جريدة البعث على الأرض، وليعاد تذكري بأن هذه الأبنية -التي أتحاشى أنا وغيري المرور قربها، فإن اضطررنا للمرور نغض أبصارنا عنها خوفاً ورعباً- بتاريخها السيء الصيت وجدت لإرهابنا وخلق مرض جديد يعانيه المواطن السوري اسمه فوبيا المخابرات، وبعد ذلك يأتي السيد نبيل فياض ليروي في بيانه مآثر عن المعاملة الفاضلة للمواطنين داخلها، حتى ليظن قارئ البيان أن موظفيها من خريجي أرقى مدارس الاتيكيت في العالم !

ومع ذلك سألتمس للسيد نبيل فياض العذر لأن الداخل إلى المكان الذي كان فيه مفقود والخارج مولود كما يقول السوريون في العادة، وقد أجد نفسي مضطراً في يوم من الأيام لكتابة مثل بيانه، وأتمنى -فيما لو حدث ذلك- على قرائه أن لا يصدقوني !

جريدة النهار اللبنانية 24/11/2004

نص بيان نبيل فياض

في30/9/2004، جاء إلى مكان عملي مجموعة من الأشخاص الأمنيين، وقاموا بتفتيش مكان عملي والمنزل، بعد ذلك، اقتادوني إلى المركز الأمني وطُرحت عليّ مجموعة أسئلة حول "التجمع الليبرالي" ومقالات كتبتها في جريدة "السياسة الكويتية" عن الوضع الداخلي في سورية.
سُمح لي بالاتصال بمن أشاء، ولما شعرت بضيقٍ صحي طلبتُ طبيبي الدكتور طلال فارس فجاؤوا به على الفور، لكن صحتي في نفس اليوم لم تتحسن وازدادت سوءاً في اليوم التالي، فجاؤوا بطبيب من مشفى تابع لوزارة الداخلية، وبعد فحصي طلب نقلي على عجل إلى المشفى. وتحول رجال الأمن عندها من وضعية المحققين في بعض القضايا إلى وضعية المتلهفين جدياً للحفاظ على صحتي وإحاطتي بكافة أصناف الرعاية.
ظللت حتى 13/10/2004 غائباً عن الوعي تقريباً، وأعيش على "السيروم" فقط. تحسنت بعدها قليلاً ثم انتكس وضعي الصحي مجدداً يوم 19/10/.
في يوم 24/10/ بدأت صحتي بالاسترداد زارني أحد الضباط وقال لي أنني قريباً سوف أخرج إلى الحرية خارج هذا المشفى. يوم 31/10/ جاؤوني بثياب والتقيت اثنين من كبار المسؤولين الأمنيين اللذين أبدوا كافة أنواع التعاطف معي ثم أوصلني أحد الضباط بسيارته إلى بيتي.
الخلاصة:

1- ثبت من نقاشاتي مع من كان حولي من الأمنيين أن هذا التعامل الأخلاقي والحضاري معي ليس حكراً عليّ بسبب وضعي الثقافي بل هو شامل للناس جميعاً، خاصة بعد مجيء الرئيس الدكتور بشار الأسد، مما أشعرني أن وجود هذا الرجل كافٍ لحمايتنا وحماية مأمولاتنا من الحريات العامة والديمقراطية الفعلية.
2- إن مسألة التجمع ضخمت أكثر مما ينبغي لغاية يمكن أن تكون شخصية من بعض الموظفين الصغار ففي السنوات الأخيرة عرفت سورية أشكال تجمعية كثيرة وكبيرة منها المرخص به ومنها غير المرخص به ومنها الديني ومنها العلماني، ومع ذلك لم نسمع باعتقال أو توقيف أي من أعضاء تجمعات كهذه، مما ينفي - في هذه الحالة- وجود توجه لدى الدولة لضرب المعارضة أو خنق الحريات العامة والخاصة، وتضخيم مسألة توقيفي (إيداعي) في المشفى كان حقاً يراد به باطل.
3- إن موقفي من رأس النظام ثابت لا يتغير وملخصه أنه: بوجود الدكتور بشار الأسد نكتب وننشر ما لم نكن نجرؤ على التفكير به قبل سنوات، وبالتالي فإن موقفي من القضايا السلبية ليس موقفاً من الدولة وإنما من السلبيات.
4- لا أريد أن تستخدم قضية (إيداعي) للنيل من سورية، لا من الداخل ولا من الخارج، لأنني لن أكون عصاة تشهر على سورية دولة وشعباً ووطناً ورئيساً، فالبلاد لا تحتمل في هذا الوقت بالذات هذا العبث وهذا الترف والمزيد من الهزات التي يراد منها تدميرها، وأنا هدفي كمفكر وناقد البناء وليس الهدم.
5- رغم كل ما حصل فلن أتوقف لحظة عن الكتابة، وعن نقد المسيئين على أعلى وأدنى المستويات وسأظل أحارب من أجل دفع قطار الديمقراطية والعلمانية والليبرالية على سكته التي وضع عليها، مؤكداً أن خلافاتنا في سورية هي على إيقاع (التسارع)، لأنني أراه حتى الآن بطيئاً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع