المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حكم البابا  Headshot

هادي العبد الله: سلامتك من الجوائز

تم النشر: تم التحديث:

ربما كان على هادي العبد الله، المراسل الميداني للثورة السورية منذ بداياتها وحتى اليوم، أن يكون أقلوياً أو معادياً للإسلام أو على الأقل مثلياً أو يصدر تنظيم داعش بياناً بتبني المفخخة التي استهدفته أمام منزله في أحد أحياء حلب المحررة؛ ليحظى خبر إصابته بتعاطف من قِبل المنظمات المهتمة بحماية وحياة الصحفيين وهيئات حقوق الإنسان وباقي منظمات المجتمع المدني ومؤسسات المعارضة السورية، التي تجاهلت خبر إصابته التي لم يتعافَ منها حتى الآن.

ولكن بما أن هادي العبد الله لا ينتمي إلى واحد من هذه التصنيفات الثلاثة، ولم يقضِ وقته خلال خمس سنوات من عمر الثورة في إطلاق التصريحات عن تمزيق جبهة النصرة لعلم الثورة في مظاهرة، واستبداله من قِبل تنظيم جند الأقصى بالرايات السود، أو قيام تنظيم أحرار الشام بفرض ارتداء الحجاب على النساء في المناطق التي يسيطر عليها، أو خطف جيش الإسلام لناشطين وناشطات، أو... أو...، وكان عمله مقتصراً على كشف جرائم نظام بشار الأسد، وتصوير الدماء وأشلاء الأجساد الممزقة التي تخلفها الصواريخ والبراميل المتفجرة التي تلقيها طائرات النظام والأجساد المذبوحة بسكاكين شبيحته، فقد صمتت كل هذه الهيئات والمؤسسات والمنظمات عن خبر إصابته، ولم يصدر عنها ولو كلمة استنكار لاستهدافه، أو أقله بيان تعاطف وتمنٍّ بالشفاء له.

قبل حادثة استهدافه، وهي ليست الأولى بالمناسبة، تعرّض هادي العبد الله ورفاقه من الناشطين الإعلاميين في مختلف المناطق السورية (الذين لولا شجاعتهم وجرأتهم ومخاطرتهم بحياتهم لم يكن العالم ليعرف بكل القتل والإجرام والمجازر التي ارتكبها جيش بشار الأسد والميليشيات الحليفة له منذ بداية الثورة السورية وحتى اليوم)، تعرّض هؤلاء النشطاء المتطوعون الذين غامروا بحياتهم ونقلوا وصوروا وخرجوا بوجوههم وأسمائهم الصريحة على كل الفضائيات العربية ودون مقابل إلى ظلم وتجاهل شديدين، فلم يحظَ أي منهم (وبعضهم استشهد) بتقدير من قِبل أية مؤسسة لها علاقة بالحرية أو بالصحافة أو بحقوق الإنسان أو حتى بالمعارضة، وبدلاً من أن يحصل هادي العبد الله وخالد أبوصلاح وأبوجعفر المغربل ومحمد سعيد وأصيل العبد الله وماجد عبد النور ومئات ممن لا يتسع هذا المكان لذكرهم من الذين وقفوا واضعين دماءهم على أكفهم أمام الكاميرات وتحت القصف لينقلوا المجازر والقتل، على جوائز الشجاعة الصحفية وأوسمة الجرأة الإعلامية أو حتى على مجرد تنويه بمخاطرتهم بحياتهم في سبيل نقل حقيقة ما حدث ويحدث من إجرام في سوريا، أهدت هذه المنظمات والهيئات جوائزها الإعلامية والحقوقية ومنحها المالية لسمر يزبك وزينة أرحيم وياسين الحاج صالح ومازن درويش ورزان زيتونة وأعضاء حملة "الرقة تذبح بصمت"، لسبب واحد ووحيد لا علاقة له بأي معيار من معايير المهنة الصحفية أو الجرأة الإعلامية أو العمل الحقوقي أو العبقرية الفكرية، سوى أنهم ساهموا إن بشكل مباشر أو حتى غير مباشر، سواء بتصريح أو اتهام أو نقل معلومة أو فعل، بتحويل العدو الأول والأساسي للسوريين من بشار الأسد الذي قتل ما يقارب المليون منهم وهجّر سبعة ملايين، إلى التنظيمات ذات الصبغة الإسلامية، أو على الأقل في أحسن الأحوال مساواتهما ببعضهما البعض.

هذا لا يعني أن ما قام به بعض هؤلاء الذين حصلوا على جوائز من توثيق لجرائم النظام في بدايات الثورة هامشي أو غير مهم (وأخص المحامية والناشطة رزان زيتونة تحديداً، التي لولا اتهام تنظيم إسلامي بخطفها وإخفائها لم يكن ليتذكرها أحد لا من المنظمات الدولية ولا من الذين يستثمرون ويتربحون مالياً ومعنوياً في خصومة من يتهمونه بخطفها دون أي دليل)، بقدر ما يعني أن تلك الجوائز والمنح والتكريمات كانت موجهة وانتقائية وتعكس سياسة مانحيها في تزوير عدو بديل عن العدو الحقيقي للسوريين، وهذا هو الأهم من وجهة نظرهم، أما معايير الشجاعة الصحفية، إن وجدت في حيثيات منح تلك الجوائز، فهي تأتي في ذيل الأسباب الموجبة لذلك، وإلاّ ما معنى أن لا يتم تذكر واحد من هؤلاء المواطنين الصحفيين الشجعان، الذين بادروا من تلقاء أنفسهم لمواكبة الثورة وتصوير وبث كل جرائم بشار الأسد لحظة بلحظة منذ الأيام الأولى لانطلاقتها مجاناً ودون مقابل، وتمت تصفية بعضهم مادياً دون حتى إشارة أو تنويه بعملهم وشجاعتهم، وتشويه بعضهم الآخر معنوياً، لصالح وجوه يتم العمل عليها لتكون حاضرة وجاهزة لمشروع "اليوم التالي" بعد سقوط النظام، والذي بدأ العمل به منذ اليوم الأول للثورة، حتى لا تعود البلاد التي صودرت لنصف قرن إلى أيدي أهلها، ويكون هناك طاقم بديل تم تلميعه بالجوائز والحضور الدولي جاهز لتقديم الخدمات في حال غياب نظام بشار الأسد.

لأجل هذا لم أستغرب الملاحظة التي كتبها الصحفي أحمد كامل عن المرة التي تمت استشارته فيها بشأن منح جائزة دولية لصحفي سوري، فاقترح فوراً اسم هادي العبد الله، لكنهم رفضوا منحه الجائزة رغم توافر كل الشروط اللازمة للفوز بالجائزة لديه، مبررين رفضهم بأنه إسلامي ومنحوها لآخر لا يحقق شروطهم، لكنه يخدم توجهاتهم.
هادي العبد الله.. سلامتك من الجوائز الدولية التي لا تقل أذى وخيانةً عن المفخخات!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.