المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حكم البابا  Headshot

مجتمع الكراهية

تم النشر: تم التحديث:

أنا آخر من تفاجأ بحجم وقسوة العنف في هذه المنطقة، فقد كنت أرى وأسمع وأشعر بحجم الكراهية والبغضاء والتعصّب والعنصرية التي يعبّر عنها كل منّا للآخر صراحة أو مواربة، في كل لحظة وكل فعل وكل تعليق وكل تعبير وجه، وكانت صور وأخبار لاجتماعات لزعماء وسياسيين ورجال دين وقادة طوائف مبتسمين وهم يقبلون بعضهم بعضاً، ويتحدثون عن التعاون العربي المشترك، والعلاقات الأخوية، والوحدة الوطنية، وحوار الحضارات، والتآخي الإسلامي المسيحي، وإسلام بلا مذاهب، أكبر وأطول كذبة استخدمت وبالقوة لخلق روابط داخل مجتمعات الكراهية التي عشنا فيها، منعاً لاقتتالها أو على الأقل لتفككها مع مرور الوقت وازدياد معدلات الكراهية..

ورغم كل المظاهر الودودة إلاّ أن الحقيقة والواقع كانا شيئاً آخر، فالجميع كان ضد الجميع، السوري يسخر من اللبناني، واللبناني يتعالى على الفلسطيني، والفلسطيني يضحك من المصري، والمصري يرى نفسه أعلى مرتبة من الخليجي، والخليجي يخاف من العراقي، والعراقي يتعالى على المغربي، والجميع يتبادلون الأدوار في كره بعضهم البعض، وسبب تافه كمباراة كرة قدم بين بلدين عربيين كاف ليطيح بكل شعارات العرب والعروبة، وينهي مسيرة العمل العربي المشترك ويوقف تطوير العلاقات الأخوية، ويفجّر غرائز البغضاء والتعصب لدى شعوب بأكملها، لو كان بيدها قرار السلم والحرب، وفي متناولها سلاح لما ترددت في إشعال حروب واحتلال دول.

يستطيع المصري والخليجي واللبناني والعراقي والمغاربي واليمني أن يفحصوا حجم الكراهية الخفيّة في مجتمعاتهم وليس بين هذه المجتمعات فقط، وأنا كسوري أتحدث عما أعرفه في المجتمع الذي كان إلى ما قبل سنوات يعتبر الحديث علناً عن تنوع طائفي أو اختلاف مناطقي فيه جريمة يُعاقب عليها، لكنه كان يمارسها في كل ثانية وكل فعل: الدرزي يكره الشيعي، والشيعي يكره السني، والسني يكره العلوي، والعلوي يكره الإسماعيلي، والمسلم يكره المسيحي، وابن المدينة يكره ابن الريف، والدمشقي يكره الحلبي، وابن درعا لا يرتاح لابن السويداء، وحماه تتمسخر على حمص، ودير الزور تتعالى على الرقة، وابن الشاغور في دمشق لا يرتاح لابن الميدان فيها، والإخواني ضد اليساري، واليساري ضد القومي، والعربي والكردي والأرمني والشركسي ينتظرون خلافاً بين طفلين كل منهما ينتمي لمكوّن مختلف ليشعلوا حرباً، وكانت كلمات مثل: سنّي ودرزي وعلوي وسمعولي (إسماعيلي) ورافضي (شيعي) ومسلم ومسيحي وشامي وحلبي وحمصي وحموي وشاوي وحوراني وبدوي تستخدم كشتيمة من قبل المكونات الأخرى الخصوم، وتُروى الحكايات وتُستعاد القصص التي تؤكد العداوة وتغذيها وتبقيها حية على الدوام لتتوارثها الأجيال، وكل محاولات التقارب والتواصل الفردية بين هذه الشعوب المتساكنة على مضض بالحب والزواج والمصاهرة، كانت تنتهي بمأساة في العادة، فالسني الذي أحب درزية وتزوجها قطع له أهلها عضوه الذكري عندما تمكنوا منه، والمسيحية التي تزوجت من مسلم قتلها أهلها بعد استدراجها، والسني الذي تزوج من علوية تحوّل إلى خروف أسود في مجتمعه، وحتى الحالات الناجحة نسبياً في محاولة بناء جسور تواصل مع الآخر على ندرتها غالباً ما مُنيت بانتكاسات، ووضعت أمامها العراقيل، ولم تستطع اختراق الجدران الصلبة لهذه البيئات المتنافرة حيث الكل ينظر إلى نفسه باعتباره شعب الله المختار، ويرى تحت كل شعرة في رأس الآخر إبليساً، وبطريقة ما بوعيه أو لا وعيه يسنّ السكاكين بانتظار المعركة الكبرى لينتقم ويأخذ بثأره (ولكلٍ ضحيته التاريخية التي يريد الثأر لها) ويعلن انتصاره.

طبعاً الآخرون بمن فيهم ما يسمى بالأمم المتحضّرة ليسوا أقل عدوانية وكراهية وبغضاء منّا، وهم في لحظة غضب وكراهية وعنصرية قادرون أن يحولوا نيويورك وباريس ولندن وإسطنبول من مراكز إشعاع حضاري إلى كتل من اللهب وأكوام من الخشب المحترق، يشارك في تدميرها المسلم والمسيحي، الأمريكي والبريطاني والتركي والياباني، وكل قومية أو دين بنفس الطريقة وبذات العنف، وأي مراقبة لحالة تعطل شارات المرور أو قطع الكهرباء عن مدينة وانفلات الغرائز، لتساوى المشهد بين القاهرة ونيويورك، وبين دمشق وطوكيو، والصورة الحقيقية لطريقة حل النزاعات بين البشر، كانت دائماً هي الحروب على تنوعها عالمية وإقليمية وأهلية، أكثر من معاهدات السلام وحسن الجوار وعدم الاعتداء، والفرق الوحيد خارج التفوق العلمي أو التقدم التكنولوجي بين المجتمعات هو النظام (System) وليس القانون، وعند أي خلل في هذا النظام يتساوى السموكن مع الجلابية مع الزي الأفغاني مع ورقة التوت.

وبعد ذلك يأتي من يريد أن يريح ضميره ويُسذّج القصة فيختصر الشر والكراهية والإقصاء والبغضاء في داعش، ولو نظر هو إلى وجهه في المرآة لرأى نفسه على صورة العدو الذي يحاربه ويعتبره خطراً على البشرية، فبطريقة ما كُلّنا داعش، ونحن نعاديها لأنها فقط تُظهر صورتنا في لحظة حقيقة، بدون ربطات عنق وقفازات بيضاء وكلام مُنمق وتنظير!!