المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حكم البابا  Headshot

عبث في جنيف

تم النشر: تم التحديث:

أظن أن محمد علوش كان يمزح حين قال بأنه لم يبق لبشار الأسد إلاّ أربعة أشهر في الحكم، إذ ليس من المعقول أن يتوهم كبير المفاوضين -وهذا هو منصبه الرسمي في وفد الرياض- مع أعضاء وفده أنهم يستطيعون سواء بمهارتهم التفاوضية أو بدعم حلفائهم أو بالضمانات الدولية إزاحة بشار الأسد عن كرسي الحكم في سورية، وأن بإمكانهم أن يصلوا مع وفد النظام برئاسة بشار الجعفري إلى اتفاق يقضي بتنحي بشار الأسد، ثم يعقد الجعفري بعد توقيع الاتفاق مؤتمراً صحفياً وإلى جانبه علوش ليعلن وصولهم لاتفاق يقوم على تنحي بشار الأسد، أو يسافر إلى دمشق ليمثل أمام بشار الأسد ويقول له: اتفقنا يا سيدي على تنحيتك.

أنا أتجاوز الظن إلى التأكيد بأن علوش كان يمزح حين أطلق تصريحه هذا، فالرجل ملتزم دينياً وهذا ينفي عنه شبهة تعاطي المسكرات أو المخدرات التي تذهب العقل، وتسمح لمتعاطيها بإطلاق مثل تلك التصريحات، كما أن جيش الإسلام الذي يمثله علوش في الوفد لم يحصل على حد علمي اختراعاً أو شراءاً أو غنيمة على عدة صواريخ ذات رؤوس نووية يستطيع من يمتلكها أن يكون بالراحة والطمأنينة ليطلق مثل هذا التصريح، ولا أظن أن علوش اكتشف بالصدفة أن قائد القوات الأمريكية المشتركة هو ابن خالته بالرضاعة، وعندما فاتحه علوش بموضوع تنحية بشار الأسد، دق ابن الخالة الأمريكي بالرضاعة يده على صدره، وقال له: عندي، فقط أعطني أربعة أشهر، وتركه علوش ليذهب من فوره ويطلق تصريحه هذا.

بغير هذا الحالات وإذا كان علوش جاداً بكلامه فنحن أمام مصيبة كبيرة، لأن الرجل أحد ثلاثة:

إما أنه يضحك على الناس ويبيعهم آمالاً كاذبة وأحلاماً مزيفة، أو أنه يتحدث إليهم بما يأمله ويتمناه ويرجوه، أو أنه قليل خبرة وتجربة ولا يعرف أن النظام الذي قتل ولازال يقتل السوريين ودمّر بيوتهم وهجرهم وشردهم ولا يزال، وأعاد سورية نصف قرن إلى الوراء، وارتكب أكبر نكبة وأقسى مجازر منذ حرب البوسنة والهرسك، وأمام سمع وبصر وكاميرات وقنوات ومنظمات حقوق الإنسان في العالم كلّه، والذي تمده إيران بالمليشيات الشيعية من أفغانستان إلى لبنان مروراً بالعراق، وتحارب معه روسيا بجيشها وأسلحتها، ولم تسمح أمريكا باقتطاع منطقة آمنة تحمي الهاربين من قصفه وطائراته وموته داخلها، وأقصى ما فعلته دول أوربا الأخرى هو بعض التنديدات على بعض الإدانات على قليل من الشجب والاستنكار، مع قبول بعض من نجا من الموت قتلاً أو حرقاً أو اعتقالاً أو غرقاً كلاجئين، قبل أن تتوقف عن ذلك مؤخراً..

أن هذا النظام لن يقبل بكل بساطة أن يجلس ليتنازل عما قاتل من أجله ولا زال منذ أكثر من خمس سنوات، وأن أية قوة في الأرض ترغب في إزاحته.

سيبك من كل عنتريات لن نقبل بوجود بشار الأسد، وهدفنا إنشاء هيئة حكم انتقالي بصلاحيات كاملة، ولن نشارك من تلطخت أيديهم بالدماء، أُرسل وفد الرياض التفاوضي إلى جنيف من قبل مشغليه على قاعدة "إلحق الكذاب إلى وراء الباب"، وكل أعضاء الوفد يفكرون بعملية التفاوض حسب قاعدة "إما أن يموت الحمار أو يموت الملك أو أموت أنا"، وينتظرون معجزة ما تغيّر في سيرورة الأحداث، فإن لم تحصل فليس هناك أسهل من القول بأن النظام متعنت وهو أفشل المفاوضات، ورواية قصص وسير وتفاصيل جانبية يتوّهون بها السوريين عن توجيه أي سؤال لهم يتعلق بجدوى المشاركة في مفاوضات يعرفون منذ البداية بأنها عبثية، وهم متأكدون وخاصة فلول النظام الذين يشكلون نسبة وازنة في الوفد، أن هذا النظام في أحسن حالاته وفي أفضل تنازلاته لن يعطيهم أكثر من الفتات، ولن يعاملهم إلاّ بالطريقة التي يعامل بها أحزاب جبهته الوطنية التقدمية، وزارة أو اثنتين لكل حزب، على أن تختار أجهزة الأمن من سيتولى تلك الحقائب من عدة أسماء يرشحها كل حزب.

لكن حتى لو افترضنا جدلاً أن النظام توصل لاتفاق مع وفد المعارضة حسب شروطها على تشكيل هيئة حكم انتقالي بصلاحيات كاملة ومن المعارضة حصراً، واشترط فقط بقاء بشار الأسد لستة شهور وليس ثمانية عشر شهراً كما أُعلن سابقاً على أن يغادر بعدها، السؤال الأهم في رأيي هل ستتجرأ هذه الهيئة بكل الضمانات الدولية التي يمكن أن تحصل عليها أن تسافر إلى دمشق، لتمارس صلاحياتها من هناك، أم ستدير سورية من اسطنبول أو الرياض أو جنيف؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.