المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حكم البابا  Headshot

اكذب فلا يوجد أحد ليكذّبك

تم النشر: تم التحديث:

من يوم يومي وأنا أقف مذهولاً لأسمع أحاديث ميشيل سماحة، كلما صدف وشاهدته في التلفزيون، وأؤخر مشاويري ومواعيدي لحين انتهاء سماحة من رواية قصصه عن أدق التفاصيل في المكالمات الهاتفية التي كانت تتم بين جورج بوش وكوندليزا رايس، وخاصة تلك التي يتآمرون فيها على المقاومة في لبنان وسماحة السيد حسن نصر الله.

أو عما قاله رامسفليد لأبرامز على الدرجة الثانية في البينتاغون بخصوص استهداف السيد الرئيس بشار الأسد، وكنت أراقب الرجل وهو يتحدث بجدية وثقة وبأداء مسرحي مبهر، كما لو أنه كان جالساً إلى جانب بوش في الوقت الذي كان فيه هذا الأخير يتحدث عبر السبيكر (وليس السماعة) إلى كوندليزا رايس إكراماً لسماحة وحتى لا تضيع أية كلمة عليه من كلامها، أو كما لو أن رامسفيلد كان يضع يده على كتف سماحة وهو يحادث أبرامز..

وكان من الغريب أن محاور سماحة على هذه القناة أو تلك يصدقّه ويتفاعل معه، ويناقشه في تفصيل التفصيل للمكالمات الهاتفية واللقاءات الدولية التي يتم فيها التآمر على خط المقاومة تحديداً، وسماحة يرد عليه ويسهب ويجود عليه بتفصيل جرى مرةً عند الزاوية اليمنى لطاولة الرئيس في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض وآخر تحديداً عند الكرسي الخامس في الصف الرابع داخل قاعة الكونغرس.

ويمنحه كمًّا من المعلومات لو أردت معرفة عشرة تحتاج على الأقل لخدمات خمسة أجهزة مخابرات رئيسية في العالم، تشغل طاقم جواسيسها ومخبريها ومتنصتيها لشهور، في حين يعطيها سماحة لمحاوره بكل بساطة على طاولة استديو صغير بدون جهد أو عناء أو حتى ظهور قطرة عرق واحدة على جبينه.

استمر سماحة على هذا الزخم من إفشاء أسرار المخابرات الدولية وكشف المؤامرات العالمية التي تستهدف خط المقاومة وسماحته وسيادته، متنقلاً بحرية بين قنوات المنار والـ OTV والجديد والـ NBN اللبنانية، والفضائية والإخبارية والدنيا السورية، يعيد نفس اللحن وينوّع فيه ويقسّم عليه، وكل مذيعي تلك القنوات ومقدمي برامجها الحوارية مسلطنين على قصصه وأسراره، ومن دون أن تقدم جهة من تلك الجهات الإمبريالية التي تحكم العالم وتتآمر على خط المقاومة على تكذيبه، أو تحاول حتى مجرد محاولة لاغتياله أو إسكاته ليكف عن فضحها..

فقد كان الجميع يعرفون من مدير المحطة التلفزيونية إلى المحاور والمخرج والمعد والمونتير إلى المشاهد إلى ميشيل سماحة نفسه، إلى خط المقاومة بسماحته وسيادته، أن كل هذا الكلام للاستهلاك المحلي، وأن الرجل يؤدي دوراً مأجوراً، وليكتشف الجميع في النهاية أن الرجل الخطير الذي كان يفضح الإمبريالية ويهتك عرضها مجرد مخبر صغير عند علي مملوك، يستخدمه كحصان لنقل المتفجرات والعبوات الناسفة من سوريا، ويدفع له مقابل استئجار من يقوم بتفجيرها في المناطق اللبنانية واستهداف الشخصيات المعارضة للنظام السوري.

ألحت علي شخصية ميشيل سماحة وحبكاته السرية كثيراً، وأنا أقرأ تصريح الممثل السوري جمال سليمان الذي نشر بالأمس وقال فيه إن بشار الأسد أخبره في آخر لقاء بينهما في عام 2011 أن "إسرائيل لا تريد إسقاط النظام في سوريا، وإن أي تدخل عسكري لن يحصل في سوريا، لذلك نحن سنحارب كل من سيقف ضدنا".
وقلت لنفسي: معقول! واحد منا نحن الثلاثة يتعاطى نوعاً رديئاً من الحشيش، إما بشار الأسد هامس التصريح، أو جمال ناقله، أو أنا الذي يُفترض بي أن أصدقه! فلا يمكن أن يقول بشار الأسد لجمال سليمان مثل هذا الكلام إلا في واحدة من أربع حالات..

الأولى أن بشار الأسد الذي يتبجح بالمقاومة ليل نهار وكل مشروعيته يستقيها من شعارات العداء لإسرائيل وتحرير الأراضي المحتلة ولن نتخلى عن حزب الله، ونجوع نجوع ولا نطرد حماس، على درجة من الغباء بحيث يظهر نفسه الحليف الخفي لإسرائيل هكذا بكل بساطة وأمام من؟ ممثل! لا يضمن صمته ويعرف أنه في موقع تصوير قد يحب يتفشخر قليلاً فينقل كلام الرئيس ويفضحه في العالم كلّه.

أما الحالة الثانية فهي أن جمال سليمان من الدائرة الضيقة التي يناقش معها بشار الأسد مستقبل النظام ويتحدث بدون رقابة وبحرية كاملة بكل ما يخطر على باله أو ما يعرفه من أسرار دولية، مثله مثل وزير الدفاع ورئيس الأركان ورؤساء شعب المخابرات الجوية والعسكرية والسياسية ومدير المخابرات العامة وشقيقه ماهر الأسد وقاسم سليماني.
وليس كما نظنه نحن مجرد ممثل سوري تربطه علاقة مميزة باللواء بهجت سليمان مدير الفرع الداخلي في المخابرات العامة وصاحب النفوذ القوي وقتها، مجاملته لا تتعدى الحصول على نمرة سيارة من المخابرات وغض النظر عن مخالفة بناء من المحافظ.
وفي هذه الحالة وكونه من عظام الرقبة ومن الدائرة الضيقة صاحبة القرار المحيطة ببشار الأسد من الطبيعي أن يخبره الرئيس بهذا الكلام الخطير فيما يخص حكاية إسرائيل لنظامهم.

الحالة الثالثة لإمكانية حصول هذا الحديث الخطير بين الرئيس والممثل، هي ظن بشار الأسد بأن الرجل الواقف أمامه أثناء ذلك الحديث السري هو صلاح الدين الأيوبي الذي أدى سليمان دوره في مسلسل سابق وليس الممثل جمال سليمان، وعليه فمن الطبيعي لقائدين عسكريين في مستوى بشار الأسد وصلاح الدين الأيوبي أن يتناقشا في أمور بمثل هذه الضخامة إستراتيجيًّا.

أما الحالة الرابعة وراء بوح جمال سليمان بهذه الواقعة ونشرها اليوم.. فأعتقد هو تأكّده ووثوقه ومعرفته المؤكدة ويقينه بأن لا أحد سيرد أو سيكذبه سواء الشخص الثاني الشاهد على الحديث أو أي شخص من طرفه، وهذا هو الأرجح في رأيي.

لا أحب ولا أريد أن أكون جزءاً من نظرية مؤامرة تقول بأن هدف جمال سليمان من اختراع مثل هذه المحادثة تيئيس السوريين ليهرولوا إلى طاولة المفاوضات، باعتبار أن إسرائيل هي التي تحافظ على النظام وتحميه ولذلك لا أمل بإسقاطه، فالسوريون الذين يدافعون عن حريتهم وكرامتهم لن يقرأوا لا تصريح سليمان ولا ردي عليه، ويعرفون أن هذا النظام هو حامي إسرائيل، ولم يأخذوا إذنها عندما ثاروا عليه، ولا ينتظرون غضبها عليه لا اليوم ولا غداً..

ولا أريد أن أرد على تصريح الأسد لسليمان وأقول إن الحلف الطائفي الشيعي من إيران إلى المليشيات العراقية والأفغانية وصولاً إلى حزب الله وأخيراً الجيش الروسي هم الذين يحمون النظام المهشم اليوم ويمنعونه من السقوط، وهو آيل له بكل لحظة.
ولا تستطيع لا إسرائيل ولا إيران ومليشياتها ولا روسيا وجيشها أن يسندوه إلى وقت طويل، وإلَّا لما قامت ولا انتصرت ثورة في العالم.. وأيضاً لا أريد أن أسأل لماذا انتظر جمال سليمان خمس سنوات قبل أن يبوح بهذا التصريح المزعوم.

ما أريد التحدث عنه وهو الأكثر أهمية وخطورة في نظري، هو ظاهرة الفبركة واختراع القصص والحوادث والبطولات الوهمية من قبل المنشقين عن النظام لتنظيف أنفسهم وتقديمها للسوريين على أنها كانت ثورية ومعادية للفساد داخل النظام، ولم تحصل على الرشى وتساهم في الصفقات المشبوهة، وتطأطئ رأسها أمام ضباط المخابرات، وكانت كلمات: معلّم وحاضر وأمرك وبتمون.

هي كل لغتها في كل المناصب التي تولتها، وسرقت المال العام، مباشرة أو مداورةً، وعاشت وما زالت تعيش حتى اليوم على ما نهبته من أموال السوريين، ثم جاءت اليوم بعد الثورة لتستشرف على السوريين وتبيعهم نضالات كاذبة وبطولات وهمية، وتستشهد بأحياء هي تعرف أنهم لن يردوا عليها، أو بموتى غير قادرين على الرد.

وتتنقل من قناة إلى جريدة إلى موقع تواصل اجتماعي إلى ويب سايت لتبرأ نفسها وتخترع تاريخاً كاذباً من المعارضة والصدام مع النظام، وذمة نظيفة لم تذق طعمها في حياتها، كي تقدّم نفسها كوجوه للمرحلة الجديدة وتقطف ثمار الدماء الغالية التي دفعت في سبيل حرية وكرامة سورية.

الذين واجهوا النظام في كل سنوات عنفه الأعمى معرفون ولا يحتاجون لتبييض صفحة ولا لتنصيع صورة، أما أشخاص مثل رياض نعسان آغا وجمال سليمان ويحيى العريضي وفراس ومناف طلاس ونواف الفارس وجهاد مقدسي وسواهم فهؤلاء في أحسن أحوالهم لم يكونوا إلَّا بمستوى ميشيل سماحة، مجرد أدوات لنظام مجرم ساعدوه كلّ في مجاله على تطويل مدة استعباد السوريين مقابل الفتات الذي كان يُرمى لهم!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.