المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حكم البابا  Headshot

السيسي يواجه حاضنته

تم النشر: تم التحديث:

احتاج الذين أيدوا الانقلاب العسكري الذي قاده عبد الفتاح السيسي في مصر، ومنحوه غطاءً شبه شرعي ما كان بمقدرته لولاه أن ينجح في تنفيذ انقلابه، إلى سنة ونصف كي يصدروا بيانهم الخجول الأول ضد سياسات الاعتقال التي يمارسها نظام السيسي ضد كل من يعترض عليه، وتقييده وقمعه غير المسبوق للحريات في تاريخ مصر منذ جمال عبد الناصر وحتى اليوم.

البيان الذي وقعته 70 شخصية شاركت وشرعنت ودعمت انقلاب السيسي مهم على الرغم من حيائه في شرح حقيقة ما يحدث في مصر التي حولها السيسي إلى دولة أمنية خالصة، ومن المؤكد أنه لن يقدّم أو يؤخر في الأسلوب البوليسي الذي اختاره قائد الانقلاب العسكري نهجاً لحكم مصر، لكنه يقول بوضوح وصراحة أن الاعتراض على قمع السيسي ومصادرته للحريات ومطاردته لأي معارض لحكمه لم يعد فردياً يكتفي صاحبه بالانسحاب من المشهد بالصمت أو السفر أو الانشغال عن الشأن العام بمتابعة الشؤون والمصالح الشخصية، ولم يعد صامتاً في الجلسات المغلقة وفي أحسن الأحوال بتصريح فردي من هنا ومقال مؤدب من هناك، والأهم من ذلك لم يعد يقتصر على جماعة الإخوان المسلمين التي انقلب عليها السيسي وأخرجها من السلطة وزج بقادتها وأعضائها في السجون.

والبيان بالصيغة التي ظهر عليها ليس حاسماً في الحكم على نظام السيسي باعتباره نظاماً ديكتاتورياً فاشياً كما ظهر في خلال السنة والنصف التي حكم خلالها، فموقعوه أحد نوعين: إما من الذين يعتقدون أن بإمكانهم أن يحصلّوا مكاسب لم يمنحهم لها رغم ما قدموه له من خدمات، ولذلك أحبوا أن يظهروا له الناحية الأخرى الغاضبة من الوجه، ويكشّروا له تكشيرة تذكّره بهم ولا تستفزّه في نفس الوقت، أو من الذين يخافون من بطشه، ولذلك اختاروا هذه الصيغة المؤنبة بتهذيب، المطالبة بأدب، والمنزعجة بذوق، ومن المؤكد أنه لو عرض عليهم بيان على هذه الدرجة من الرفق أيام مبارك، لرفضوا التوقيع عليه واعتبروه محاولة غزل مع النظام وقتها.

تبدلت الأمور في مصر كثيراً منذ أيام مبارك وحتى اليوم، فالنخبة السياسية والثقافية التي كانت ترصد أفعال مبارك على الوحدة، وتعد عليه رمشات عينه في الدقيقة، وتؤنبه إذا التفت، وتعاتبه إذا نهض، وتعيب عليه جلوسه، وتهاجمه إذا نطق، وتصرخ بوجهه إذا سكت، ولا تسمح له بقول نعم، وترفض أن يقولا لا، واستمرت على هذه الحال في السنة اليتيمة التي حكم فيها محمد مرسي، تغيّرت مع عبد الفتاح السيسي، وبعد أن كانت ترفض حكم العسكر صارت تقدّس الحذاء العسكري وتضعه على رؤوسها، ووقفت كلها خلفه تشجعه: اضرب يا سيسي، اقتل يا سيسي، تسلم إيدك يا سيسي، وبذلت جهدها في إقناع المصريين أن الشخص الذي انتخبوه بحرية كاملة وبدون تزوير لأول مرة في تاريخ مصر ارهابي، هو وجماعته، ولم تترك شائعة أو شيطنة أو فبركة أو كذبة أو مؤامرة إلاّ ولفقتها، وكل ذلك كي يأتي السيسي وينقذ الشعب المصري من الإرهاب، وينقذ الدولة من الأخونة.
قد تكون فزاعة أخونة الدولة التي استخدمت للانقلاب على حكم محمد مرسي صحيحة، فالإخوان مثلهم مثل أي حزب عقائدي شمولي آخر، أو حتى مثل أي حزب آخر حتى لو كان ديمقراطياً يصل إلى السلطة، سيتحول إلى مستبد يرغب في الاستئثار بالسلطة إن لم تقف له معارضة قوية بالمرصاد تحاسبة وتراقبه، من دون أن تتحول المحاسبة إلى تلكيك -حسب التعبير المصري- يعطل الحياة ويشل العمل، وهو ما حدث أيام مرسي، ولكن حتى وإن وصلت المحاسبة والمراقبة إلى هذه الحالة فهي أفضل من أن يعطى الحاكم تفويضاً على بياض بالحكم ويقع الفأس على الرأس كما حدث ويحدث مع السيسي اليوم.

وإذا كنت أستطيع أن أفهم رعب هذه النخبة الثقافية والسياسية من الإسلام السياسي بشكل عام، ومن فزاعة أخونة الدولة التي تبيّن كذبها بعد سنة من حكم مرسي الذي لم يستطع أن يؤخون دائرة واحدة في الدولة لتدافع عنه عند انقلاب السيسي عليه، فكيف بأخونة الدولة كلها؟ إلاّ أنني لا أستطيع أن أفهم انقياد هذه النخب كما لو أنها واقعة تحت تأثير تنويم مغناطيسي أو أنها تمشي في نومها خلف جنرال عسكري غير مقنع، في أحسن أحواله يتصرف كما لو أنه هاني شاكر الجيش والقوات المسلحة، مستعيراً لزاجة شكل وأسلوب وعواطف وانفعالات هذا الأخير ولكن في قيادة مصر؟ فهل من المعقول أن ذكاء وألمعية باسم يوسف لم تكتشف هذا الجانب المضحك في خطاب السيسي وفي الشكل الذي اختاره لتقديم نفسه؟ وهل كان حمدين صباحي من السذاجة بحيث أنه لم يفهم أن دوره في عهد السيسي لن يتعدى دور الكومبارس الذي يفرش للبطل في المسرحية ثم ينسحب؟ وهل كان خيال علاء الأسواني أضعف من أن يرى سيرورة تطور شخصية عسكرية انقلابية كالسيسي وإلى أي ستصل؟ وقبلهم كلهم هل أعمى طموح محمد البرادعي للسلطة عقله عن رؤية ما الذي سيقوم به ديكتاتور مثل السيسي؟

هل الخوف من الأخونة؟ أم عدم القناعة بالفتات الذي رمي لهم، وفي رأيهم أنهم يستحقون أكثر وأفضل مما حصلوا عليه؟ أم أنهم كانوا مخدوعين واستيقظوا أخيراً؟ أم كل هذه الأسباب مجتمعة هي التي دفعت هؤلاء للاجتماع خلف هذا البيان الخجول الذي قد يلتف عليه السيسي غداً بالترغيب أو بالترهيب ليسكت أصحابه، تماماً كما فعلوا عندما انقلب على صندوق الاقتراع وزج بالمئات في السجون وارتكب المجازر بمعتصمين سلميين وحارب أعداءه بتهمة الإرهاب، واعتبر العلاقة بتنظيم فلسطيني مثل حماس تهمة، وصوت لصالح اسرائيل في الأمم المتحدة، ومد يده للطغاة والقتلة من زعماء العالم، وأيد الروس في قتلهم للسوريين، وحوّل مصر من مركز إشعاع ثقافي وفني وحضاري إلى بلد مغلق يسيطر عليه الخوف، عنوانه الفشل، وشعاره الشحاذه والعيش على الصدقات.

وأية ديمقراطية هذه التي ننقلب عليها ونفضل العسكر إذا لم تصل بنا إلى السلطة أو إذا أوصلت خصومنا السياسيين إليها؟ وهل يستحق الخوف من الإخوان والبحث عن منصب التضحية بمصر كما فعل هؤلاء!؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.