المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حكم البابا  Headshot

الاغتيالات المتعددة لزهران علوش

تم النشر: تم التحديث:

تعرّض زهران علوش، قائد جيش الإسلام، إلى عدة اغتيالات قبل أن يتم اغتياله بقصف روسي على أحد مقراته في غوطة دمشق الجمعة الماضي، فمنذ خروجه من السجن بعفو أصدره بشار الأسد عام 2011 وهو يتعرّض لتشويه سمعة وحملة تشكيك وتخوين.

ورغم أن عفو بشار الأسد كان دافعه تهدئة ثورة السوريين بعد أن فقدت رشقات الرصاص على المظاهرات والمتظاهرين مفعولها في تخويف السوريين وإعادتهم إلى بيوتهم عبيداً، ورغم أن هذا العفو شمل آلاف المعتقلين من المتظاهرين ومن المعارضة لم يتعرض أحد من هؤلاء إلى الحملة التي تعرّض لها علوش وزملاؤه من سجناء التيار الإسلامي، التي بدأت باتهامهم بأسلمة الثورة وسرقتها ولم تنته بتسليحها.

رغم أن كل الكل وجميع الجميع يعرفون أن الثورة السورية خرجت من المساجد، وأن حفنة من الأقلويين وبقايا اليسار كان عليها أن تذهب إلى المساجد وتنتظر انتهاء خطبة الجمعة، أو انتهاء صلاة الجنازة إذا رغبت في أن تشارك في تظاهرة، وكانت الشعارات ذات الطابع الديني هي الغالبة على التظاهرات، وهذا أمر طبيعي في بلد يشكل المسلمون السنة 85 بالمائة من سكانه، فضلاً عن كونهم الجماعة التي نالت نصيب الأسد من الاضطهاد والعنف الذي مارسه النظام الطائفي على السوريين.

لم يؤسلم زهران علوش وزملاؤه الثورة لأن من أشعلها وحمل رايتها ودفع أثمانها الغالية حتى اليوم هم الأكثرية، فيما تراوحت مشاركة الآخرين فيها بين الشرفية والإعلامية والانتهازية، وهذه حقيقة تثبتها كل فيديوهات المظاهرات في كل المناطق السورية، وعدد الشهداء وأماكن استشهادهم، ومشاهد المدن والبلدات المدمرة والسليمة.

ولم يسرق زهران علوش وزملاؤه الثورة، فكل ما فعلوه أنهم بقوا في أرضهم وبلداتهم وجمعوا حولهم ناسهم، فيما سافر من يتهمهم بسرقة الثورة إلى أربع أصقاع الأرض، حاملين مقطعاً أو مقطعين لمشاركتهم الإعلامية في التظاهرات، ليقبضوا ثمنها بطولات إعلامية ودعماً مالياً من السفارات والمنظمات المختلفة التي تشكلت لبناء وتأهيل الجواسيس تحت اسم المؤسسات والدورات الإعلامية والحقوقية.

ولم يسلح زهران علوش وزملاؤه الثورة لأن السوريين حملوا السلاح دفاعاً عن أعراضهم التي انتهكت، وبناتهم اللواتي اغتصبن، وأولادهم الذين قطعت رؤوسهم بالحراب والسكاكين، وكان عليهم إما أن يذبحوا ذبح النعاج أو أن يدافعوا عن أنفسهم.

الاغتيال الثاني الذي تعرض له زهران علوش واجهه من جماهير الثورة التي تحولت كلّها إلى محللين سياسيين وخبراء استراتيجيين ومارشالات عسكريين ومتعهدي ثورات، وصارت تجلس أمام مايكروفونات الإذاعات وكاميرات التلفزيونات وبوستات الفيسبوك وتغريدات التويتر، لتنظّر على المقاتلين في الجبهات وتوجههم ليخوضوا هذه المعركة ويمتنعوا عن تلك، وتخوّن هذا لأنه أطلق طلقة ولم يطلق هاوناً، وتشكك في ذاك لأنه مضى شمالاً وهي - في رأيها - أن عليه أن يمضي جنوباً، وتطلق الشائعات وتشيطن الجميع وتشتم الكل لأنهم لم يحرروا ولم يقتحموا، ثم تغادر مقاعدها في استديوهات الإذاعات والتلفزيونات وتغلق صفحات فيسبوك وتويتر لتعود إلى هواء مكيفاتها المنعش ودفء فراشها بعد أن تتناول وجبة خفيفة السعيرات، تاركة هؤلاء المقاتلين بردانين جوعى على الجبهات بعد أن أثخنت ودمّرت فيهم ما لم يقدر عليه جنود بشار الأسد وشبيحته، ومن دون أن يخطر لها التفكير بمصير هؤلاء الذين شتمتهم، وبأنهم أدرى بأحوالهم وبمؤونتهم وبحجم عتادهم وبأحوال أرضهم من هؤلاء الذين لا هم لهم في النهاية إلا أن يظهروا بصورة الخبراء والعارفين والسوبر وطنيين، ويزاودوا على الجالسين في خنادقهم، ويحصلوا في النهاية على المائة دولار التي تدفعها هذه الفضائية أو تلك.

لم يسلم زهران علوش من الذين اتهموه بالتبعية والعمالة لقطر أو للسعودية أو لتركيا، أو لجميع هذه الدول، أو حتى المهادنة مع نظام الأسد، أو بأنه يؤجل معركة دمشق ليدخلها فاتحاً، وقد تكون هذه التهم (بعضها أو كلها) صحيحة وقد تكون كاذبة، فلا أحد يستطيع إثباتها أو تقديم دليل مادي واحد يؤكدها، ولكن ما يحدث عادةً في حالات العمالة والارتزاق أن من يتلقى ثمناً لرأيه أو بندقيته، لا يعيش على الجبهات ولا يدخل في معارك، ومن الطبيعي أن يحافظ على حياته في مثل هذه الحالات ليتنعم بالأموال التي تلقاها، وكان باستطاعة زهران علوش أن يعيش في تركيا ويقود معاركه بالسكايب، بدلاً من أن يعيش في أخطر مكان في العالم اليوم بين ثواره، ويموت فيه بسلاح بشار الأسد الذي طالما اتهم بمهادنته.

أما أهم اغتيال تعرض له زهران علوش فكان اتهامه بخطف المحامية رزان زيتونة ورفاقها، وهي قضية حق استخدمت في باطل، فمنذ أن اتهم أحد السجناء السياسيين السابقين الذي اختطفت زوجته مع رزان زيتونة زهران علوش بخطفهم، من دون أن يقدّم دليلاً واحداً صلباً تقبل به أصغر محكمة في العالم، والكذبة تكبر مثل كرة ثلج تتدحرج، ولم يخطر لأي من الحالة القطيعية التي تردد اتهاماته أن تطالبه بدليل خارج سمعت.. وقيل لي.. وتلقوا تهديدات.. واختطفوا في أرض واقعة تحت سيطرته.

ولم يخطر لأي من الحالة القطيعية التي تردد اتهاماته أن تسأله ولماذا تستثني النظام وأنت تعرف أنه موجود حتى الآن عبر خلاياه ومخبريه في كل مكان من الأرض السورية المحررة حتى اليوم؟ وأن عبدالقادر الصالح قتل بين أهله ومقاتليه بصاروخ موجه، وكثير من الثوار اغتيلوا بنفس الطريقة، وحتى زهران علوش اغتيل في أرضه ومكانه الذي يفرض عليه سيطرته بصواريخ موجهة، فلماذا لا يكون النظام متهماً باختطافها مع رفاقها؟ ولم يخطر لأي من الحالة القطيعية التي تردد اتهاماته أن تستفهم منه ولو على سبيل الاستئناس ألا تضعف خصومته السياسية مع التيار الإسلامي الذي يمثله زهران علوش من مصداقية وقوة ادعائه؟

تعرضت قضية اختطاف رزان زيتونة ورفاقها إلى تبخيس شديد ومتاجرة غير مسبوقة في تاريخ الثورة السورية، وبدلاً من البحث عن الجهة الخاطفة بشكل جدي، ومحاولة استخدام الطرق المناسبة (وغالباً ما تكون سرية) لإنقاذهم، تم تحويلهم إلى سلاح في الخصومة الأيديولوجية مع التيار الإسلامي، وجزء من البضاعة الرائجة في أسواق التجارة السياسية والحقوقية الدولية، ولم يعد المهم الإفراج عنهم، أو البحث عن خيوط تقود إلى من اختطفهم، بقدر ما أصبح المهم هو كيل الشتائم والاتهامات لزهران علوش، بدون دليل واحد حقيقي يتجاوز الشبهة والعداء الأيديولوجي.

تجاهل صاحب الحملة على زهران علوش زيارة هذا الأخير إلى اسطنبول ولم يقم برفع دعوى عليه، وهذا طبيعي لأن أسوأ محكمة في العالم ستطالبه بدليل يدعم اتهامه غير مجموعة التهم الفارغة لتقبل قضيته.

قد يكون زهران علوش هو من خطف رزان زيتونة ورفاقها، وقد يكون بريئاً من تلك التهمة، لكن أبسط القواعد الحقوقية في العالم تقول المتهم برئ حتى تثبت إدانته، ولا يمكن اتهام بدون دليل، وما خلا ذلك هو محاولة اغتيال معنوي وتشويه صورة، وجزء من "سبوبة" - حسب التعبير المصري - سيحتاج المتعيشين منها ومن آلام الأربعة المخطوفين إلى استمرارها بعد استشهاد زهران علوش، وهم لم يضيعوا وقتاً طويلاً بعد وفاته، فأصدروا بياناً يطالب جيش الإسلام بالإفراج عن رزان زيتونة ورفاقها، كجزء من التأكيد على أن البقرة مازالت قادرة على أن تدر الحليب!

اليوم مات زهران علوش كأحد شهداء الثورة السورية وواحد من رموزها على الجبهة الصح، بين أهله وثواره في مواجهة نظام بشار الأسد الطائفي، وذات يوم ستذكر سوريا اسمه إلى جانب يوسف العظمة وإبراهيم هنانو وسلطان باشا الأطرش وحسن الخراط وسواهم من الذين دافعوا عن حريتها، فيما يتابع الآخرون معاركهم الصغيرة من أجل حفنة من الدولارات!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.