المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حكم البابا  Headshot

لهذا يكرهونكم!

تم النشر: تم التحديث:

بعد 11 سبتمبر طرحت الإدارة الأمريكية سؤال "لماذا يكرهوننا؟" على العالمين العربي والإسلامي، وبدلاً من أن تحاول البحث عن إجابة، حشدت جيوشها وقادت تحالفاً عريضاً لاحتلال أفغانستان محاولةً القضاء على تنظيم القاعدة الذي ضربها في بلادها، وهدفها المعلن معاقبة الإرهاب الذي آلمها في قلب نيويورك.

ثم شكّلت تحالفاً آخر وضربت نظام الرئيس العراق صدام حسين واحتلت العراق، وهدفها المعلن ضربة استباقية لإرهاب محتمل، فما كانت النتيجة؟ هل قضت هاتان الحربان الكبيرتان على الإرهاب؟ هل استطاعت هذه الجيوش الجرارة أن تجعل العالم أكثر أمناً للولايات المتحدة وحلفائها؟ ما حدث هو العكس تماماً، صحيح أنها حدّت من عمليات تنظيم القاعدة، لكن حملاتها العسكرية خلقت تنظيم الدولة الإسلامية الذي يعتبر تنظيم القاعدة النسخة "اللايت" قليلة السعرات الحرارية مقارنة به.

على المستوى العربي المحلي حدث خلال القرن الماضي ما يشبه هذا، فالأنظمة الديكتاتورية التي حكمت دوله، واعتمدت الحل الأمني أسلوباً وحيداً للتعامل مع معارضيها، لم تستطيع أن تمنع الإخوان المسلمين، بعد أكثر من نصف قرن من حملات التنكيل بهم في عهود عبدالناصر والسادات ومبارك، من الوصول إلى حكم مصر ديمقراطياً وعبر صناديق الاقتراع، فكيف بفكرة القضاء عليهم؟

والإخوان المسلمون الذين قمعهم حافظ الأسد وسجنهم وارتكب بحقهم أبشع المجازر طوال ثلاثين سنة، يبدون اليوم أكثر الفصائل اعتدالاً بين المجموعات الإسلامية التي ولدت من عنف وإجرام وقمع حافظ الأسد لكل ما هو إسلامي ومسلم.

ورغم كل الدروس التي يستطيع أن يتعلمها أبسط جاهل من التجارب التاريخية الفاشلة لقمع وإقصاء فكر ما، إلاّ أن الأنظمة دولياً ومحلياً كانت ولا زالت وستبقى تفضّل الحل الأمني دائماً، وتعيد تنفيذ نفس الوصفة بنفس الأخطاء حتى دون أن تدخل عليها أي تعديل، لتُعاد بعد سنة أو سنتين أو عقد أو عقدين دورة العنف الإجرامي الدامية، التي غالباً ما يكون ضحاياها من المدنيين الأبرياء ومن الطرفين، باعتبار أن المدنيين هم الخاصرة الأسهل والأضعف التي يستخدمها كل طرف ليضغط على خصمه ويؤلمه فيها.

عدد المدنيين الأبرياء الذين قتلوا في التفجيرات التي تبناها تنظيم الدولة في باريس ليسوا أكثر من عدد المدنيين الأبرياء الذين قتلوا بالقصف الذي نفذّته المقاتلات الفرنسية على الرقة انتقاماً من تفجيرات باريس، وعدد المدنيين الذين قتلتهم الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان أولاً ثم في العراق تالياً يفوق بأضعاف مضاعفة عدد المدنيين من الأمريكيين الذين قتلهم تنظيم القاعدة في كل التفجيرات التي تبناها ضد منشآت أمريكية.

ولكن الفارق بين هذه الأحداث أن العالم أعور يرى بعين واحدة، فيتعاطف مع ضحايا تفجيرات باريس ونيويورك ويشعل الشموع من أجلهم، ويقف دقائق صمت ويرسل برقيات الاستنكار والتعزية، ويلوّن معالمه بصور العلم الفرنسي والأمريكي، ويتحدث عن وحشية الإرهاب الذي يستهدف المدنيين، في الوقت الذي يرسل طائراته وأساطيله إلى بلدان العالم الثالث للقصف بصواريخ وقذائف لا تفرّق بين محارب ومدني، ولا يرف له جفن أو تهتز له شعرة عندما يعلم بموت مدنيين بصواريخه، ويتعامل معهم باعتبارهم مجرد أرقام لا يزيدون أو ينقصون في عدد سكان العالم سواء عاشوا أو ماتوا، أرقام لا أحد يتذكرهم أو يعزي بهم، ولا عين تذرف دمعة فوق جثامينهم.

والعالم المتحضّر كلّه الذي يحمل الورود والشموع إلى الساحات تعاطفاً مع ضحايا الإرهاب، يقف متحجر القلب شامتاً - وربما مؤيداً - أمام جثث الأطفال والنساء الذين قتلتهم جيوشه، وفي أحسن أحواله لا تتجاوز مراجعته لجرائمه تنظيم حلقة نقاش في برنامج تلفزيوني لإحراج توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، بعد اعترافه بخدعة أسلحة الدمار الشامل، التي استخدمت ذريعة لغزو العراق وقتل مئات آلاف البشر فيه، وتشريد الملايين منه على سبيل المثال!

ليست هناك فوارق أخلاقية جوهرية كبيرة بين استهداف تنظيم الدولة الإسلامية للمدنيين في باريس انتقاماً من تحالف "الغرب الكافر" في الحرب ضده، وبين الرئيس الفرنسي هولاند الذي يجمع الجيوش ويرسل قاذفاته لتقتل وتدمّر في سورية دون تمييز بن مقاتل ومدني بحجة القضاء على الإرهاب وحماية الثقافة والمدنية والحضارة، وإذا كان تنظيم الدولة في رأيه لا يمثّل الإسلام حين يستهدف المدنيين، فهولاند نفسه يشوّه الحضارة والثقافة التي يدقّ باسمها وتحت رايتيهما طبول الحرب، ويستخدم القتل والإجرام لحمايتهما.

احتلت أمريكا وفرنسا وبريطانيا وروسيا دولاً كثيرة في العالم، وارتكبت أبشع المجازر فيها، ولم تكلّف نفسها أن تقدّم اعتذاراً ولو على استحياء لشعوبها، ودعمت ما تسمى بدول العالم المتحضر التي تئن اليوم من ما تسميه الإرهاب أنظمة عسكرية ديكتاتورية في كل العالم الثالث، استباحت شعوبها وأذلتهم.

ولم تعترض تلك الدول على مذبحة ارتكبها حاكم ضد شعبه إلا حين تضادت مصالحها مع مصالحه، ودائماً كانت مصطلحات مثل المدنيين والحرية والديمقراطية والإرهاب تُستخدم بالمعنى الذي يخدم مصالح الدول التي تتداوله، وليست له معايير أخلاقية عامة تُطبق على كل الدول وكل البشر.

فخلال أربع سنوات ونصف من الحرب التي يشنها بشار الأسد على السوريين، ويقتل فيها يومياً ما يتجاوز عدد ضحايا تفجيرات باريس، وقف العالم الحر الديمقراطي محايداً وصامتاً يشاهد المجزرة على الأرض السورية على الهواء مباشرة بنفس الحس المتبلد البارد الذي يشاهد فيه فيلماً سينمائياً في صالة سينما، دون أن يتجاوز رد فعله التعاطف اللفظي، ومنع وبإصرار حتى إقامة منطقة حظر جوي لحماية المدنيين من قصف الطيران.

وبدلاً من أن يقود بشار الأسد إلى أقرب محكمة كمجرم حرب ها هو اليوم يقوم بإعادة تأهيله لاستخدامه ككلب حراسه لمنع دخول من يسميهم الإرهابيين إلى أراضيه، وحدث ما يشبه هذا مع عبدالفتاح السيسي الذي قام بانقلاب عسكري على رئيس منتخب، وسجنه وحكم عليه بالإعدام وطارد جماعته، وحول مصر إلى دولة أمنية بوليسية، وارتكب مجازر يفوق عدد ضحاياها ضحايا تفجيرات باريس فاستقبله العالم المتحضّر الذي يفرض على الدول وصفته للديمقراطية وحقوق الانسان في برلين وباريس ولندن وواشنطن كرئيس شرعي بدلاً من أن يضع في يديه الكلبشات.

قبل تفجيرات باريس التي نفذها بالمناسبة أشخاص يحملون جنسيات أوروبية من بينها الفرنسية، قام مواطنون فرنسيون (أيضاً) باغتيال صحفيين ورسامي كاريكاتير في جريدة "شارلي ايبدو"، وساعتها قام هولاند بدعوة زعماء ورؤساء حكومات العالم وعلى رأسهم نتنياهو بسجله الإرهابي الكبير ضد المدنيين الفلسطينيين للسير في مقدمة مظاهرة جابت شوارع باريس ضد الإرهاب، وأرسل طائراته لقصف الرقة وأماكن أخرى يسيطر عليها تنظيم الدولة في سورية انتقاماً لقتلى الجريدة، فهل منع الإرهاب عن مواطنيه؟!

وقد يقوم هو وغيره من زعماء العالم الحر الديمقراطي بأعمال انتقامية أخرى، لا تقل عنصرية وبوليسية عن ممارسات أشرس ديكتاتوريات العالم الثالث، لكن لا الملاحقة، ولا التجريد من الجنسية، ولا المطالبة بوقف استقبال اللاجئين الهاربين من الموت، ولا التصريحات العنصرية التي تصف اللاجئين بالكلاب، أو تطالب بعدم استقبال غير المسيحيين منهم، ولا المزيد من التهميش لأشخاص قادمين من ثقافات وبيئات مختلفة ويحملون جنسيات أوربية، ولا إرسال الطائرات والفرقاطات لتقصف وتدمّر يستطيع منع الانتقام والإرهاب، طالما هناك من يشعر بظلم أو تهميش أو انتقاص من حقه، أو إحساس بأنه درجة ثانية أو يرى اعتداءً على رموزه ومقدساته دون أن تتاح له طرق شرعية للرد، وكل بوليس العالم ومخابراته وأجهزته الأمنية هم حبوب مسكنة تهدئ الألم مؤقتاً لكنها لا تعالج أسبابه.

لم تجب أمريكا ولا سواها من الدول التي تشعر بأنها محاطة بكارهين لها يبحثون عن طرق انتقام منها، عن السؤال الذي طُرح بعد هجمات 11 سبتمبر: لماذا يكرهوننا؟ ولن يستطيعوا الإجابة عليه في أي يوم من الأيام، لأن هذا السؤال يحرجهم أكثر مما يحرج من يُطرح عليهم، فلا أمريكا ولا روسيا ولا فرنسا ولا بريطانيا يملكون لا الشجاعة ولا الضمير اللازمين لمواجهة ما ارتكبوه من قتل وتدمير في كل البلدان التي احتلوها أو قصفوها.

والشعوب التي دمروا أجيالها، سواء بالعدوان المباشر أو بالوكالة عبر دعمهم وتغطيتهم وحمايتهم لمجرمين وقتلة في ملابس زعماء دول ورؤساء جمهوريات، والقضاء على تنظيم الدولة لن ينهي حالة الانتقام والانتقام المضاد، فكما ولد هذا التنظيم من رحم الحرب على تنظيم القاعدة، ربما سيواجهون تنظيماً ثالثاً أكثر شراسة وعنفاً من القاعدة والدولة، فالرصاص يستطيع قتل البشر لكنه غير قادر على قتل الشعور بالظلم، وأحدث ما توصلت إليه شركات الأسلحة من صواريخ على حد علمي هي تلك التي تقتل حامل الفكرة، لكنها لا تستطيع القضاء على الفكرة، فالبارود والديناميت وحتى الأسلحة الكيماوية والنووية أسلحة غير فعالة مع الأفكار!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.