المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حكم البابا  Headshot

إرهاب سترتش

تم النشر: تم التحديث:

لم أفهم لماذا استغرب من استغرب توصيف الروس لكل الفصائل التي تواجه نظام بشار الأسد بالإرهابية، فمن الطبيعي للروس الذين دخلوا الحرب ضد السوريين منذ بداية الثورة السورية، ولم يوفروا طريقة لدعم بشار الأسد بالسلاح أو بالقرار السياسي أو بالمال إلاّ واستخدموها، أن يعتبروا كل أعدائه إرهابيين، ويستخدموا نفس معاييره في التعامل مع معارضيه سواء من ثوار الداخل أو معارضي الخارج، وأن تكون لديهم وجهة نظر واحدة إلى كل الفصائل التي تواجهه (بغض النظر عن موقفنا من هؤلاء جماعات وفرادى)، ولا يجدون أية فوارق بين تنظيم الدولة وجبهة النصرة وأحرار الشام وجيش الإسلام وفيلق الرحمن وجيش المجاهدين وكتائب الجيش الحر وكل الفصائل الأخرى بمختلف مسمياتها وتوجهاتها وأيديولوجياتها، ويصنفوها إرهابية مادامت تواجه بشار الأسد.

المدهوشون والمستغربون من تصرف الروس ودخولهم في القتال إلى جانب بشار الأسد كتفاً إلى كتف بهذا الوضوح الوقح وتلك العقيدة العدوانية نوعان: الأول الذي كان لا يزال لديه أمل في الروس باعتبارهم طرفاً قد يلعب دور الوسيط بين النظام والمعارضة للوصول إلى تسوية ما، تركّب رأساً من النظام على جسم من المعارضة، وتخلق حالة هجينة تُبقي على جوهر النظام القديم مع إضافة بعض المنكّهات والمعطرات ومساحيق التجميل لتغيير صورته القديمة، وتقطع الطريق على أي تغيير جوهري وجذري لبنية النظام الحاكم في سورية، ستأتي بأكثرية عمل النظام على تهميشها وقمعها منذ أكثر من نصف قرن، وضمن هذا النوع من المدهوشين ينضوي الشيوعي السابق واليساري الحالي الذي لازال حتى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي بعقود يشعر بفرح غامر يملأ قلبه عند ذكر اسم موسكو، والأقلوي الذي يخاف من بعبع الأكثرية، وعمل نظام حافظ الأسد وبعده طفله بشار لعقود على تغذية وتضخيم هذه الفوبيا لديه، والفاسد ابن النظام الذي رمى بنفسه من سفينته الغارقة الذي يعتبر أن نظاماً مافيوياً مثل روسيا يستطيع أن يتفهمه ويشاركه تطلعاته وصفقاته.

النوع الثاني الذي دُهش واستغرب من تعامل الروس مع كل أعداء بشار الأسد بمختلف تصنيفاتهم باعتبارهم إرهابيين، ولم يفرقوا بينهم في القصف والغارات والصواريخ، هم متبني المعايير الأميركية والغربية للإرهاب، والتي لم تدرج سوى تنظيم الدولة وجبهة النصرة على قوائمها، فقد ظن هؤلاء أن الروس سيلتزمون بهذه المعايير كما التزموا هم، لكن ما حدث أن الروس فضلوا قوائم النظام السوري وتصنيفاته للمنظمات الإرهابية على اللائحة الأميركية.
هذا يعني ببساطة أن هناك قوائم متعددة ومعايير متفاوتة لموضة الإرهاب الدارجة اليوم في العالم، وهي ليست ثابتة ولا نهائية ومتغيّرة حسب المصالح والظروف والأوقات، ومن كان بالأمس إرهابياً ربما يصبح غداً حليفاً، ومن هو اليوم معتدل ربما يتحول غداً إلى إرهابي، والكل يبحث عن مصالحه ويراعي تحالفاته ويصنف أعداءه وهو يعد قوائمه الخاصة بالإرهاب، وصارت كلمة الإرهابي الموضة الدارجة والمحببة في بورصة العداوات الدولية.

الأفغان العرب نواة تنظيم القاعدة الذين كانوا يحاربون الروس في أفغانستان، وكانوا أصدقاء الأمريكان صاروا اليوم أعداءهم، وقد يجلسون معهم على طاولة حوار غداً، وهو الأمر نفسه بالنسبة لطالبان، والجيش الجمهوري الأيرلندي الذي كان إرهابياً في بريطانيا بالأمس، لا أحد يتذكره اليوم عندما يذكر الإرهاب، وجبهة التحرير الجزائرية التي قادت الثورة ضد الاحتلال الفرنسي كانت إرهابية قبل أن يصبح زعماؤها ضيوفاً مرحباً بهم في قصر الاليزيه، وكل المنظمات الفلسطينية التي كانت على قوائم الإرهاب، لها اليوم ممثل في هيئة الأمم المتحدة، ولم يمنع وجود اسم حزب العمال الكردستاني على قوائم الإرهاب الأميركية من تعامل الولايات المتحدة مع حزب الاتحاد الديمقراطييPYD (الشق السوري للحزب) والقيام بمده بالعتاد والذخيرة والمعلومات، رغم استمرارها في اعتباره إرهابيا لأن مصالحهما في حرب داعش التقتا، وإيران وكوبا التي كانت البارحة جزءاً من دول محور الشر حسب التصنيف الأميركي، صارت اليوم دولاً صديقة للولايات المتحدة، وربما يحدث هذا غداً مع كوريا الشمالية، والإخوان المسلون في مصر الذين وصلوا إلى الحكم بانتخاب ديمقراطي باعتراف أعدائهم أصبحوا اليوم إرهابيين مطاردين فيها من قبل من قاد عليهم انقلاباً عسكرياً وأدخلهم المعتقلات وسحلهم في الشوارع.

لا توجد معايير واضحة لتوصيف الإرهاب في العالم حتى اليوم، وكل دولة تصنّف أعداءها كإرهابيين، وتستطيع هي وشطارتها أن تفرض لوائحها للإرهاب على العالم، وبالأمس أيام الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية كان الإرهاب العالمي شيوعياً، وبعد 11 سبتمبر صار عربياً إسلامياً، وكل منظمات وفصائل التحرر الوطني في كل مكان من العالم صُنّفت في يوم من الأيام تحت مسمى الإرهاب، والقوي والمنتصر هو الذي يتحكم بالمسميات واللوائح والقوائم، ويُدخل إليها من يشاء ويستثني منها من يشاء، والحرب الإعلامية ضد العقول تجعل من إرهاب ارتكب ضد المدنيين وحروب شُنت على شعوب بعضها لأسباب ملفقة ومعلومات كاذبة أخطاء تستوجب بعض الندم ومساءلة لا تتعدى تشكيل اللجان وعرض أعمالها على التلفزيون، بدون أن تدين جندياً واحداً، فكيف بقائد عسكري أو زعيم سياسي أعطى الأوامر بشن الحرب!؟

وكل مجرمي الحروب الذين قتلوا مدنيين في فيتنام وأفغانستان والعراق أدينوا في السينما فقط، فيما طوّب مرتكبو المجازر في غروزني الشيشانية وتبليسي الجورجية أبطالاً وزُينت صدورهم بالأوسمة.
لم يواجه أي ديكتاتور في العالم سجن وعذّب وقتل شعبه تهمة بالإرهاب لأي من هذه الأسباب، ولم تُشن الحرب على صدام حسين لأنه اعتقل وعذّب وشرّد شعبه، وتُرك حافظ الأسد ليقتل أربعين ألفاً في مدينة حماة، وليقتل ما شاء ومن شاء في لبنان، ولازال بشار الأسد يقتل ويقصف أمام كاميرات العالم كلّها منذ أربعة سنوات ونصف، ولم يسمح العالم المشغول بمطاردة إرهابي في مغارة في آخر الدنيا بإنشاء منطقة تحمي المدنيين من قصف طائرات بشار الأسد فقط، وفي أحسن الأحوال مُنح ضحايا مجزرة رابعة في مصر بعض التعاطف من سياسيين ما لبثوا أن استقبلوا وصافحوا من ارتكبها!

تهمة الإرهاب اليوم في العالم من دون وضع ضوابط وشروط دقيقة لها، لا تستثني الدول والحروب والديكتاتوريات، ولا تسمح بمصادرة الحريات وتجريم الخصوم لمجرد كونهم خصوماً هي إعادة إحياء للجنة السيناتور مكارثي التي شُكّلت لتُرهب وتحاكم وتدين كل المثقفين والفنانين والناشطين الأميركيين الذين وقفوا ضد الحرب الأميركية على فيتنام، فنحن اليوم أمام مكارثية عالمية تريد مصادرة الحريات وتحويل العالم كلّه إلى نظام شمولي بحجة حمايته من شرور الإرهاب، كما فعلت وتفعل كل الأنظمة الديكتاتورية في العالم.

ومن وافق على قوائم الإرهاب الأميركية التي تراعي مصالح دولتها أولاً وأخيراً من دون أن يفكّر بمصالح بلده وما يجري في محيطه وإقليمه، لن يكون صعباً عليه أن يوافق على قوائم الإرهاب الروسية!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.