المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حكم البابا  Headshot

معارضة أسوأ من النظام

تم النشر: تم التحديث:

ابتليت الثورة السورية بمعارضة أسوأ من النظام، ومنذ الأيام الأولى للثورة وفيما كان السوريون يتظاهرون ويشيعون شهداءهم الذين قضوا بالرصاص الذي أطلقه جنود جيش بشار الأسد وعناصر مخابراته على المتظاهرين السلميين العزّل، كانت المعارضة أو بعض الذين التحقوا بها على عجل تتحدث عن دورها أو أدوارها في إشعال الثورة، وتوزع مناصب الدولة على بعضها البعض، وفي ساعة خطاب بشار الأسد الأول في مجلس الشعب بعد الثورة سمعت مالك محطة تلفزيونية يقول بأن الأسد الصغير يوجه كلامه له ويقصده شخصياً في خطابه، لأن محطته هي التي أشعلت الثورة، ورأيت معارضاً مستجداً يعتذر أن يمد يده لمصافحة أيدي شخصيات معارضة محترمة، لأسباب أمنية كما قال وخوفاً على حياته من أن يكون النظام قد استخدم أيدي هؤلاء المعارضين لتسميمه.
وروى لي معارض محترم قصة لقائه بأحد سفراء فرنسا الذي قال للمعارض خلال اللقاء بأنه يشعر أنه يجلس أمام الرئيس المقبل لسورية، وبعد ستة أشهر للثورة قلت لمعارض محترم آخر يعيش في فرنسا ممازحاً: صباح الخير سيادة الرئيس، فشدني من يدني إلى مكان منزو وقال لي أنا نائب الرئيس لأن الرئيس يجب أن يكون من الداخل.
وقالت لي صديقة في دبي أن سيدة معارضة تعيش في أمريكا كانت في زيارة لدبي وعدتها بإسناد منصب شؤون المرأة في سورية الجديدة لها، فيما اختارت المعارضة "الأمريكية" أن تحتفظ بمنصب وزارة الخارجية لنفسها، وسمعت بأن أحد المشاركين في مؤتمر أنطاليا في الليلة السابقة لافتتاح المؤتمر هدد برمي نفسه من غرفته في الطابق السابع إن لم يُسمح له بإلقاء كلمة الافتتاح في المؤتمر، وقال لي أحد أعضاء معارضة ربيع دمشق وأنا أسأله مستنكراً استماتته لدخول المجلس الوطني أنه سُجن ويريد أن يأخذ ثمن سجنه، فاستفسرت منه عن الثمن الذي يطلبه، فأجاب بثقة متناهية: على الأقل وزير، وروى لي صديق نقلاً عن الأخضر الإبراهيمي عندما كان مبعوثاً للأمم المتحدة إلى سورية أنه التقى خلال عمله على الملف السوري مائة شخصية معارضة، ستون منها قدموا أنفسهم له مباشرةً أو مداورةً باعتبارهم يصلحون بأن يكونوا الرئيس المقبل لسورية.

جاء معارضون وأشباه معارضين ومخبرين متنكرين إلى مؤتمر أنطاليا (الذي ولد ميتاً) وفي ظنهم أنهم سيعودون منه مباشرةً أو بعد وقت ليس بالطويل إلى سورية في أسوأ الأحوال وزراء ومدراء، وبعده نشب تنافس بين جهتين أرادتا إنشاء مجلس وطني انتقالي، لأن موضة المجلس الانتقالي الليبي كانت دارجة وقتها، ونجحت وقتها القائمة المدعومة من التحالف الذي أعيد إحياؤه بين حزب رياض الترك وجماعة الإخوان المسلمين، وكان كل طرف من الأطراف المؤسسة له يريد ضم أكبر عدد ممكن من الأنصار التابعين له ليضمن فوزه في أية انتخابات قد تجري داخل هياكله، وحدث أمامي أن اتصلت صبية بأحد أعضاء المكتب التنفيذي للمجلس بصفته صديق والدها لتطلب منه إدخالها إلى المجلس، وبعد ساعات من كلمة تكرمي عمو التي سمعتها منه وصلتها رسالة بريد الكتروني تفيد بأنها أصبحت عضواً في المجلس الوطني، وإلى آخر نفس في صدره عاش المجلس الوطني الذي حصر عمله إضافة لإعلان المدن والبلدات السورية مناطق منكوبة واحدة تلو الأخرى في الصراعات على مناصبه الوهمية، إلى أن قام بغدره أحد قياداته بالاتفاق مع السفيرين الأمريكي فورد والفرنسي شوفالييه وإنشاء ائتلاف المعارضة، بحجة أن الأول يسيطر عليه الإخوان المسلمون.

ومع أن الهدف الثاني لإنشاء الائتلاف بعد التخلص من هيمنة جماعة الإخوان المسلمين هو ترشيق جسمه والتخلص من الوزن الزائد في عدد أعضائه، إلاّ أنه ومع الوقت والمحسوبيات وتدخلات السفراء وأجهزة المخابرات والنصائح المستمرة له بضرورة مراعاة شعور الأقليات زاد عدد أعضائه، وتحول إلى مكتب تنفيذ الأوامر التي تصله من الجهات الراعية، وفي أفضل أحواله لم يتجاوز عمله عمل مكتب علاقات عامة مهمته إصدار بيانات الشجب والاستنكار والتعزية والمناشدة، إضافة للشحاذة وكسر اليد على أبواب الدول الراعية بحثاً عن تمويل لمصاريفه، أسوةً بسلفه المجلس الوطني.

على هامش هذه الأجسام السياسية العاجزة والمترهلة أنشأت عشرات مراكز التجسس التي قدمت نفسها على شكل منظمات لتمويل المجلات والإذاعات والأنشطة الثقافية، وبناء اتحادات كتاب وصحفيين بديلة، وإقامة الدورات في الإعلام وحقوق إنسان، بحجة التنوير ونشر ثقافة حقوق الإنسان وخلق إعلام بديل ومواجهة التطرف، وهي في الحقيقة لم تكن إلاّ لبناء أتباع وشراء ذمم وخلق شبكات للتلاعب بالعقول وإدارة وتوجيه الرأي العام.

ولكن أي تنوير وخلق إعلام بديل وبناء سورية جديدة ومحاربة تطرف إذا كانت كل المجلات والإذاعات المحسوبة على الثورة التي أُنشأت مستهدفة المواطن السوري لم تستطع أن تخلق فرقاً لدى القارئ السوري، وفي أحسن أحوالها كانت وجهاً آخر لإعلام بشار الأسد، بالعدائية والمحدودية التي تواجه به من تختلف معهم في الرأي، وإذا كان اتحاد الكتاب واتحاد الصحفيين البديلين يمشيان بنفس سياسة الاحتكار والعصبوية والاستئثار والارتزاق لاتحادي كتاب وصحفيي بشار الأسد؟ ثم إلى أي حد استطاعت هذه الوسائل الإعلامية والنقابات والبيوت الثقافية أن تكون مؤثرة فعلياً في المواطن السوري سواء في المناطق المحررة أو في مدن الشتات التركي؟ وكم هو فعلاً عدد جمهور هؤلاء ولمن يتوجهون؟ ولماذا تصرف هذه المنظمات الغامضة على إعلام وثقافة ورأي ليس لهم جمهور إلاّ أصحابهم، وهل من المعقول أن هذه المنظمات من الحمق والبله والإنسانية المفرطة ورهافة القلب على السوريين بحيث تموّل مثلاً بيتاً ثقافياً في اسطنبول، وتدفع آجار مكانه وبطاقات طائرة وتكاليف إقامة ومكافآت للمحاضرين على محاضرات جمهورها لا يتجاوز في أحسن الأحوال العشرين شخصاً لا يتغيرون؟ وعلى مجلات وصحف لا يقرؤها إلاً كاتبي مقالاتها ومدققيها اللغويين؟

عاش المثقفون العرب وقتاً طويلاً قبل أن يعرفوا أن مؤسسة فرانكلين التي كانت تٌصدر مجلة "شعر" الحداثوية في بيروت تموّل من قبل المخابرات المركزية الأمريكية، حينها كانت وسائل الاتصال والتواصل متخلفة في العالم، ولكن اليوم الكل يعرف من يموّل من؟ وما الذي يحدث ولماذا يحدث؟ وكيف أصبح اليسار الشيوعي شحاذاً على أبواب السفارات الغربية التي كان حتى وقت قريب يعتبرها أوكاراً لعدوه الامبريالي؟ ويعرف أنه لاشيء مجاني في العالم، وأنك إذا أردت أن تأخذ فيجب أن تدفع؟ وهذا ما حدث فعلاً ففي النهاية استطاع كل هؤلاء بحسن وفي الغالب بسوء نية إقناع العالم كلّه أن ما يحدث في سورية تطرفاً وليس ثورة، وأن بشار الأسد هو العدو الأقل خطراً، وواحد من عشرة مما يكتبونه ويقولونه ويصرحون به عن الأخطار المحدقة بسورية، موجه ضد بشار الأسد، فيما التسعة بالمائة موجهة ضد مختلف فصائل الثورة في سورية، ولذلك نسي العالم كل ما ارتكبه بشار الأسد من جرائم وقتل يومي، وجاء بجيوشه وطائراته ليقاتل السوريين الثائرين باسم محاربة التطرف، في الوقت الذي كان يكتفي فيه باستنكار العنف المفرط وتدمع عينه في أحسن الأحوال أمام القتل اليومي للسوريين العزل على مدار أربع سنوات ونصف على أيدي قوات ومليشيات بشار الأسد.
الفصائل العسكرية في الثورة السورية لديها من الأمراض ما يكفيها، وسأتحدث عنها بالتفصيل في مقال قادم، لكن جزء كبير من الخراب الذي نخرها كان سببه المعارضة التي استغلت حاجاتها وحولتها إلى بنادق للإيجار.
بقي أن أسأل نفسي أخيراً: هل أنا متشائم من مستقبل الثورة السورية أمام هذا الخراب الكبير، وتحوّل الكثير من السوريين إلى شحاذين وجواسيس وكتّاب تقارير للدول وأجهزة الاستخبارات وطابور خامس متقدم لها باسم التنوير ومحاربة التطرف؟ وأجيب على سؤالي بلا كبيرة، وهذا قلته يوماً في عام 2012 لمسؤول عربي كبير سألني عن رأيي في المجلس الوطني السوري، فأجبته: أنا أعرف أن هذا المجلس يعمل لديكم، وأنكم لو أردتم لجعلتم أعضاؤه ينظفون لكم المطبخ في قصوركم، وهذه أفضل مهمة يمكن أن تكلفونهم بها، ولكن يجب أن تقرؤوا تاريخ سورية ومزاج السوريين، فالسوريين يعتبرون أنفسهم رأساً في المنطقة، ولا يسمحون بأن يمر أمر بدون موافقتهم، وإن استعصى عليهم ذلك فهم يختلقون آلاف الأسباب ويضعون آلاف العراقيل لمنع مروره، انتبهوا إلى أنهم لم ينضموا إلى حلف بغداد السني وهم السنة، ولم يقبلوا أن ينضووا تحت جناح السعودية أكبر دولة مسلمة سنية، وعاملوها طوال تاريخهم بندية، والمرة الوحيدة التي باعوا فيها استقلالهم وتخلوا عنه كانت أيام الوحدة مع مصر في عهد جمال عبد الناصر، لأنهم وحدويون بطبيعتهم، ولكنهم بعد سنتين من رفعهم لعبد الناصر وسيارته في شوارع دمشق، انقلبوا عليه رفضاً للهيمنة المصرية التي قام بها مع ضباط جيشه عليهم، نعم قد تظنون اليوم أن السوريين شحاذين بسبب نماذج المعارضة التي تتسول في مجالسكم اليوم، ولكن مثل هؤلاء لن ترونهم أصحاب قرار في سورية أبداً!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.