المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حكم البابا  Headshot

الحياة بدون "فيسبوك"

تم النشر: تم التحديث:

لوقت طويل ظننت أنني لا أستطيع أن أغادر فيسبوك، وبالنسبة لي كان التفكير في هجران الفيسبوك أصعب بمرات من ترك التدخين.. صحيح أنني دخنت ثلاثين سنة متواصلة حوالي خمسة علب في اليوم، ودائماً أقوى أنواع التبغ المتوفر في المكان الذي عشت فيه، ولكن المحاولة الجديّة الأولى لي لترك التدخين انتهت بالنجاح بعد ثلاثة أشهر، وتحولت السيجارة التي كانت رفيقة دربي ثلاثين عاماً، ويندر أن أعثر على صورة لي في تلك السنوات الثلاثين بدونها، ولم تكن تفارق شفتي إلاّ في حالتي النوم والاستحمام، وكنت أتباهى دائماً بأني أكثر شخص مدخن في العالم الأقل استعمالاً لأعواد الكبريت والقداحات، لأني كنت أستمتع بإشعال السيجارة الجديدة من سابقتها المنتهية، وكنت أظن أني لو تركتها لن أستطيع الكتابة بعد ذلك أبداً، ولكن الذي حدث أنني تركتها في عام 2009 ولم أعد إليها مطلقاً، ولم يتغيّر شيء في حياتي، ومازلت أكتب..
هذا لم يحدث مع الفيسبوك أبداً، رغم أني أعتبره اليوم عادةً بسوء التدخين أو أسوأ منه، والحساب الشخصي الذي أنشأته في عام 2007 بمساعدة صديق، دخلت عليه أقل من عشر مرات خلال أربع سنوات لم أفهم خلالها ما هو الفيسبوك أبداً، تماماً مثل ضباط المخابرات السورية الذين استدعوا بعض المعارضين قبل أيام من قيام الثورة السورية، وسألوهم ما إذا كانوا يملكون صفحات على فيسبوك، فقد كانت التقارير الأمنية ونشرات الأخبار ووكالات الأنباء تقول بأن الفيسبوك سبب انطلاقة ثورات الربيع العربي وتنقّلها من تونس إلى مصر إلى ليبيا وقتها، وكان ضباط المخابرات وقتها لا يفهمون كيف ولماذا وبأي طريقة صنع الفيسبوك ثورات الربيع العربي، وأظن أنهم كانوا يحدقون مدهوشين فاغري الأفواه، سحناتهم أقرب إلى أشكال البلهاء إلى الصفحة الزرقاء داخل شاشة الكومبيوتر، وهم يسألون أنفسهم: ما الذي يحدث هنا حتى اشتعلت هذه الثورات؟ أين المنشورات السرية؟ أين المعارضين؟ أين المؤامرة؟ أين الديناميت؟ أين التمويل الأجنبي؟ أين الصهيونية العالمية؟ أين الرجعية والامبريالية؟ أين الإخوان المسلمين، ولا يجدون أجوبة، ثم يتظاهرون أمام مرؤوسيهم وزملائهم ورؤسائهم وزوارهم ومعتقليهم بأنهم فهموا ما حدث ويحدث، ولكن لا أحد منهم يستطيع أن يشرح بسطر واحد حجم ما فهمه؟ وهذا الأمر ظهر بشكل أكثر بلاهة لاحقاً خلال الأشهر الأولى للثورة على حواجز المخابرات والجيش في شوارع المدن والبلدات السورية، إذا كان السؤال الأول لأي عنصر بعد رؤيته لأي سوري يحمل لابتوباً: هل معك فيسبوك؟ ظناً منهم بأن الفيسبوك جهاز ملحق باللابتوب، ويُحمل في الجيب الخاص بالشاحن في الحقيبة على سبيل المثال، تماماً مثل العسكري من نفس النظام وذات الجيش الذي شارك في نهب مدينة حماه بعد مجزرتها في عام 1982، فدخل إلى محل في حمص ليبيع تلفزيوناً مع جهاز آخر أصغر منه من غنائمه، وأطلق على الجهاز اسم المحوّل وهو يعرضه، لأن الفيديو كاسيت وقتها لم يكن معروفاً على نطاق واسع، وخاصة في قرى ريف حمص.
حتى فبراير 2011 أنا كنت أقرب إلى حالة هؤلاء الذين يحدقون في الصفحة الزرقاء ولا يستطيعون فك طلاسمها، وبعد مرات تفكير عديدة باءت كلها بالفشل، ركنت إلى فكرة أن الفيسبوك مكان لتنشر صورك عليه إذا كنت من هواة الاستعراض، ولتهنئ أصدقاءك بأعياد ميلادهم إذا كنت من هواة النوع، وفقط.. ولا يمكن أن يكون مفيداً أو ممتعاً أو مسلياً كقراءة كتاب أو مشاهدة فيلم أو سماع أغنية، أو حتى النميمة مع صديق أو لعب طاولة الزهر، وتعذبت لأفهم آلية قبول الأصدقاء، وكنت أقبل بصعوبة من أعرفهم في الواقع فقط، وكان طلب الصداقة ينام عندي سنة أو أكثر في أيقونة طلبات الصداقة التي كنت أستخدمها كمجمّدة، مثل أعتى الموظفين البيروقراطين الذي يتلذذ بتنويم المعاملات في أدراجه.
لكن كل هذا انتهى في لحظة مع بداية ثورات الربيع العربي، وبالتحديد مع مغادرة طائرة زين الدين بن علي رئيس تونس الأسبق مطار تونس، ثم مع ثورات مصر وليبيا، وصار الفيسبوك بالنسبة لي وكالة أنباء ومظاهرة اعتراض وحالة دعم واحتفالية تهليل وصرخة فرح دفعة واحدة، وبدأت أعرف يوماً بعد يوم بعد أربع سنوات على إنشاء حسابي الشخصي ما هو الفيسبوك، وماذا يعني أن تُنشئ شبكة علاقات كبرى ومتشعبة مع الناس خارج وسائل التواصل المعروفة والمراقبة، التي يضعها أي نظام استبدادي تحت مجهره 24 على 24 سبعة أيام في الأسبوع، فقد كانت أجهزة المخابرات لا تعرف الفيسبوك، وحتى لو عرفته فهي لم تدرك قيمته في جمع الناس وفتح الخطوط بينهم وإنشاء المشتركات وبناء الجسور وخلق التواصل، وهو الأمر الذي عملت على قطعه ومنعه وتهديمه كل الأنظمة الاستبدادية وسخرت كل أجهزتها الأمنية والعسكرية لذلك، وكان اجتماع أكثر من شخصين بند تحرمه وتعاقب عليه كل قوانين الطوارئ التي كانت ساريةً في كل البلدان التي شهدت ثورات الربيع العربي، ثم جاء فيسبوك ففعل ببساطة ما شقي من أجله معارضون أصدروا البيانات وشاركوا في الاعتصامات وقضوا سنوات في السجون، ولم يستطيعوا أن يزحزحوا بند السماح بالتجمعات المحظور في كل قوانين الطوارئ والأحكام العرفية المُسلطة على رقابهم، فشطبه فيسبوك بحالة أقرب إلى اللعب، وفتح في كل البيوت أكبر نافذة في أصغر وأقل مساحة، وتحولت شاشات الكومبيوتر إلى نوافذ الحرية الوحيدة والأكثر اتساعاً في جدران السجون الكبيرة التي كانت تُطلق عليها الأنظمة الوطنية اسم الأوطان.
مع بداية الثورة السورية صار الفيسبوك الافتراضي معادل للحياة الواقعية تقريباً بالنسبة لكثير من السوريين، وأنا واحد من هؤلاء، هنا في هذه الصفحة الصغيرة التي كنت أتعب حينها من الضغط على زر الموافقة على قبول عشرات الأصدقاء الافتراضيين يومياً فيها، فبعد أن قبلت خلال أربع سنوات أقل من مائة صديق، وصلت إلى الحد الأقصى للصفحة الشخصية (5000 صديق) خلال الأربعة أشهر الأولى من عمر الثورة.. هنا في هذه الصفحة الصغيرة كنت أنام وأفيق، وكانت آخر ما تراه عيني في الليل، وأول ما أبدأ به صباحي، عدوة زوجتي وغريمة أصدقائي، صندوق الدنيا الجديد الذي اخترع للراشدين، وأحق بشعار من سن 7 إلى عمر الـ 77 من مجلة تان تان، تجمع فيها ما لا يُجمع عادةً، تعثر على الضائعين في حياتك، وتتابع أخبار الزعلانين خلسة، وتُصالح المخاصمين، تقرأ الأخبار والأفكار، وتنم على الغائبين، وتشاهد المحذوف والذي فاتك مشاهدته من أفلام وأغاني وصور وفيديوهات، وتمارس فيه الحرية الممنوعة في كل مكان حولك ماعداه، وتدخل في زحمة الناس تتأمل الوجوه والأفكار والصور، حقيقة الناس وآمالهم، ما هم عليه وما يحلمون بأن يكونوا عليه، شيء يجمع ديزني لاند في أمريكا وهايد بارك اللندنية وشارع الشانزليزيه الباريسي وقهوة الروضة الدمشقية وبيت قصيد لقمان ديركي الذي سرق اسمه زاهي وهبي وصنع تحت يافطته برنامجاً ثقيل الظل ينتمي لثقافة زمن شعر هند رستم المكوي.
لفترة طويلة كان الفيسبوك وكالة الأنباء الأولى والوحيدة تقريباً الناطقة باسم الثورة السورية، وأغلب ثورات الربيع العربي، والمصدر الأساسي للأخبار والصور والفيديوهات حول تلك الثورات لكل الصحف والمواقع الالكترونية والقنوات التلفزيونية، بعدها انتقل ليصبح معسكر القصف الرئيسي لأصحاب الثورات المضادة في العالم العربي، والحقيقة اختلطت بالشائعة، والفبركة صارت جزءاً من هوية الفيسبوك، كان مكاناً يشبه الحياة ولكنه أكثر تركيزاً، ونقل الناس مستوى تربيتهم وأخلاقهم وتفكيرهم إليه، الشتّام استخدمه لإبراز مهارته في السب، وعائلات الفساد وجدته فرصة لتبييض صفحاتها، والباحثين عن مستقبل سياسي حولوه إلى سوق لعرض بضاعتهم عن أخلاقهم الحميدة وقلوبهم الكبيرة وعقولهم الراجحة وكرمهم اللامتناهي وحبهم للإنسانية، والمخبرين وجدوا فيه مادة إضافية لزيادة تقاريرهم الأمنية ودخولهم المالية، والباحثين عن جمهور جعلوه منبراً للوعظ واستعراض حكمتهم وعقلهم الراجح، والمناضلين عرضوا فيه سنوات سجنهم ليقدرها القرّاء، والنساء تبادلت فيه وصفات الطبخ وقصات الشعر، ومن لم تحتمل زوجته سماع أفكاره أو لم يحتمل زوجها سماع صوتها عثروا في الفيسبوك على متسع من القراء والمتابعين، ورغم أنه من المستهجن أن تدق أبواب بيوت بعضها أو تقتحمها لتشتم سكانها، إلاّ أنه من الشائع أن تجد من يقتحم صفحتك في فيسبوك ليسفه رأيك أو يشتمك بحجة أنه يُناقشك، ومن أجل ذلك وُجد البلوك!
يعتبر بعض الناس أن زر اللايك هو الأهم في فيسبوك، وهناك الكثيرون يعيشون على اللايك، وسعرهم في سوق الفيسبوك هو بعدد اللايكات على بوستاتهم، على هذا يعيشون، وغالباً ما يُستخدم زر الكومينت بعكس المقصد الذي اُخترع من أجله، فيظهر من خلاله كثير ممن يستخدمه قدرته على العناد والمماحكة والتعقب وتدني مستوى الفهم وانخفاض مستوى الذكاء وانعدام الثقافة وقلة التهذيب، ولكني أعتبر أن البلوك هو الميزة الأكثر أهمية من بين كل ميزات الفيسبوك، فبواسطته يمكنك أن تمنع المتطفلين والشتّامين والسرسرية ومناصري الاستبداد وصغار العقول من الاعتداء على حريتك باسم ممارستهم لحريتهم، وتجربتي في استخدام هذه الميزة الكبرى ربما تكون الأشهر، فإضافة لخمسة آلاف صديق في صفحتي لدي مايقرب من عددهم في حجرة الحظر، وقد يكون بعضهم قد حُجر نتيجة مزاج سيء أو ظرف عصيب، لا ضير من الاعتراف بذلك، ولكن مع كل ظلم البلوك أحياناً وفي أسوأ حالاته لا يمكن احتمال الفيسبوك بدونه.
كل يوم أنهض صباحاً وأقول لنفسي سأغادر فيسبوك هذا اليوم، وكل يوم أعد زوجتي بأن هذا اليوم بالذات هو آخر عهدي بالفيسبوك، ولكني أستمر، أغلق الصفحة لساعات وربما لأيام، ولكني أعرف أني سأعود إليه، وفي لحظة سأمد يدي إلى هاتفي وأفتح صفحة الفيسبوك وأستغرق في التصفح والقراءة والانتباه، وأنسى كل ما قلته وأقوله وسأستمر في قوله عن وقتي الضائع والمهدور بلا معنى في فيسبوك، ليس لأن فيسبوك صار جزءاً من الحياة، بل ربما لأن الحياة صارت جزءاً من فيسبوك، وصار واقع الفيسبوك أكثر إثارة ومعرفةً من واقع الحياة!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع