المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حكم البابا  Headshot

ثورة بحل سياسي

تم النشر: تم التحديث:

لم أسمع بثورة قامت ضد أي نظام في العالم، ثم طالبت بحل سياسي معه، إلاّ في الثورة السورية اليوم، التي لا يكلّ ولا يملّ من عُينوا بأوامر إقليمية ودولية كقادة سياسيين للثورة عن التصريحات اليومية الموافقة والمطالبة بإجراء تسوية سياسية مع النظام الذي قامت الثورة ضده، والجلوس مع رموزه على طاولة واحدة، تمهيداً لمشاركته في الحكم، فالثورات في العالم لها واحدة من نهايتين لا ثالث لهما: إما أن تنتصر أو تُهزم، وفي حال انتصار الثورة فإنها تُسقط الأنظمة التي قامت عليها بكل بُناها وهياكلها، وتتسلم السلطة بدلاً عنها، هكذا حدث في الثورة الفرنسية، وفي الثورة الروسية، وفي الثورة الصينية، وفي الثورة الكوبية، وفي كل ثورة حقيقية حدثت في العالم، وربما تكون الأنظمة التي تأتي بها الثورات أفضل من تلك التي ثارت عليها، وربما تكون بسوئها أو أسوأ منها، لكنها في كل هذه الحالات تضيف تجارب جديدة، وعلى المدى الطويل إن لم يحدث ذلك حالاً، تساهم في التغيير والتقدم داخل مجتمعاتها.
ما يحدث في الثورة السورية اليوم من مطالبة ائتلاف المعارضة اليومية (وهو تكوين هجين ركبّه سفراء دول ومدراء مخابرات كرأس غريب على جسم الثورة التي بقيت بدون رأس حتى اليوم) للجلوس مع النظام الذي لا يزال يقتل السوريين من جمهور الثورة حتى اللحظة على طاولة واحدة، لا يوجد له وصف في العالم إلاّ كلمة واحدة هي الخيانة، ورغم أني أتحاشى استخدام هذه المفردة عادةً، ولكن في الواقع لا توجد كلمة غيرها تصف الوضع بدقة وعلى حقيقته العارية وبدون تجميل أو تزويق من بين كل مفردات اللغات جميعاً.
تصوروا مثلاً لو أن قادة الثورة الفرنسية، أو لينين في روسيا القيصرية، أو كاسترو في كوبا أو سواهم من قادة الثورات، وقد جلسوا على طاولة واحدة مع أركان حكم الملك لويس السادس عشر، أو القيصر نيقولا الثاني، أو الجنرال باتيستا، وفاوضوهم في كم وزارة سيحصلون عليها، وفي نوعية الوزارات، وهم يقولون لهم نريد أن نشارككم الحكم ونتقاسم معكم السلطة، شرط تنحية الملك والقيصر والجنرال، وندمج ثوارنا مع جنود جيشكم، ونبقي على أجهزة مخابراتكم، لأننا نريد الحفاظ على مؤسسات الدولة!
مثل هذا التصور يحتاج إلى كوميديان مثل شارلي شابلن ليجسده، لكنه في الحالة السورية يؤخذ على محمل جد الجد، بحيث أنك ترى رجالاً وقورين ببذات أنيقة وربطات عنق سينييه ونظارت وقورة ومعاطف دافئة، يحملون حقائب فاخرة يسافرون إلى جنيف، ومعهم مستشار قانوني وناطق صحفي وعدة نصب ممن يسمون ناشطين، ويفتحون حقائبهم، ويخرجون أوراقاً لا أحد يعرف ما إذا كانت مجرد أوراق بيضاء فارغة، أم تواصي زوجاتهم اللواتي طلبن منهم شراءها من جنيف، يضعونها على طاولة، باعتبارها مجرد ديكور ضروري للتصوير في أي موقع اجتماعات، ثم يجلسون أمام من يمثلون رماة البراميل المتفجرة والصواريخ وقاصفي المدن وقاتلي المدنيين ويفاوضونهم.
المشكلة أن هذا المشهد الهزلي تم تمثيله بشكل جدي في الحالة السورية، ويتوق أصحاب السيادة والسعادة والنيافة والسماحة في الائتلاف إلى إعادة تمثيله من جديد والسفر إلى جنيف، مع أن بشار الأسد بلسانه وعلى لسان حلفائه يكرر يومياً بأنه رئيس شرعي منتخب من الشعب، ولا يقبل بانتخابات تحت إشراف دولي، ولا يحاور الذين يواجهونه دفاعاً عن أنفسهم وأهلهم وحريتهم ويصفهم بالإرهابيين، وهو من يختار المعارضة التي يجلس معها، بما يعني قطع الطريق نهائياً للوصول إلى أي حل مع هؤلاء الجاهزين وحقائبهم موضّبة عند الأبواب بانتظار نداء الطائرة المتجهة إلى جنيف، ولكنهم مع كل هذا مصرون على الحوار معه.
دائماً هناك حجة الدم الذي يُراق والأرواح التي تُزهق بالعشرات يومياً في سورية، ودائماً هناك حجة التشرد والموت اليومي الذي يعيشه السوريون في المخيمات وفي البحار وفي الهجرة بحثاً عن مكان آمن، ودائماً هناك من سيتبرع بالقول أن الحسم العسكري مستحيل ولن ينتصر طرف على آخر، ودائماً هناك من سيخوّف من ذريعة الإرهاب، وهي حجج قيلت في كل الثورات، وما كانت ثورة من تلك الثورات لتقوم لو وضعت في اعتبارها كل هذه الأسباب، وما كانت لتنتصر بوجود كراكيب في واجهتها مثل معاذ الخطيب ومحمد حبش ورياض نعسان آغا وهيثم مناع وائتلاف المعارضة والمجلس الوطني وجماعة الإخوان المسلمين وتجمع إعلان دمشق وهيئة التنسيق الوطنية، فهذه تنتمي لزمن ماضٍ، وبالكاد يُمكن لباعة المستعمل أن يلقوا عليها نظرة.
كل ما قاله ويقوله هؤلاء عن خوفهم على الدم السوري هو كلام حق يراد به باطل، فليس متاحاً للشعوب التي تثور اختيار نوع الثورة من الجورنال، وتفضيل ثورة لايت منخفضة السعرات الحرارية وزيرو فات ومحدودة عدد الضحايا، والأسلوب الذي تختاره أي ثورة يعادل مستوى عنف النظام الذي تواجهه وتريد أن تسقطه، فضلاً عن أن السوريين الذين ثاروا ويدفعون كل هذا الدم في سبيل الحصول على حريتهم لا يزالون يواجهون النظام، ومطالبهم دعم صمودهم بالمال والغذاء وكل ما من شأنه أن يحفظ وجودهم في أرضهم، إلى جانب العمل السياسي الذي يحشد العالم ضد إجرام النظام ويأتي بمزيد من الأصدقاء والداعمين للثورة، ولا يعني بحال من الأحول بيع دمائهم على طاولة في فندق في جنيف.
والموت الذي يواجهه السوري في البحار يعود إلى اليأس من أداء ائتلاف المعارضة أكثر مما هو هرب من إجرام النظام، فهؤلاء الذين شردهم النظام ولجؤوا إلى دول الجوار بانتظار عودة قريبة، هم اليوم وبعد خمس سنوات من عمر الثورة الذين يشكلون أغلبية من يغامرون بحياتهم في البحار بحثاً عن ملاذ آمن، بعد وصولهم إلى قناعة أن مثل هذا الائتلاف الذي تم استئجاره لقيادة العمل السياسي، مشغول بنفسه: انتخابات وتقاسم وتدوير مناصب والانتقال من حض دولة لحضن أخرى، أكثر من اهتمامه بالسوريين سواء الذين يعيشون تحت قصف النظام أو في مخيمات اللجوء، وأكثر ما استطاع تقديمه لهم خلال كل تاريخه لم يتعدى بيانات الشجب والإدانة والاستنكار.
ثم من قال إن الحسم غير وارد، ومن المستحيل أن ينتصر طرف على آخر، ولو وضع أي طرف في اعتباره مثل هذه القاعدة لما خيضت حرب، ولما قامت ثورة، ولما ناضل شعب، ولما تحررت أية مجموعة مُستعبدة في العالم عبر التاريخ، وكل الثورات قامت ضد أنظمة أكثر قوةً وعتاداً وعدةً مما تملكه هي، ولم تفكر بحسابات محلات البقالة التي يحاول ترويجها اليوم كراكيب ائتلاف المعارضة، وهم يبدون أكثر رعباً من النظام من انتصار الثورة!
ومن الطبيعي أن تُطلق تُهم الإرهابيين والمخربين والمجرمين على كل الثوار، فأنظمة الاستبداد والاستعباد ستسعى بكل ما يمكنها إلى شيطنة من يثور عليها حتى لو كانوا من حزب الخضر ولن تُطلق عليهم أسماء من قبيل: ملائكة الرحمة وفراشات الحدائق وكناريات الحب، ومن الطبيعي أن تشارك في أية ثورة قوى متفاوتة ومختلفة وذات توجهات قد يقبل بها طرف ويرفضها آخر، ولكن هذا الأمر لم يدفع بثورة في التاريخ لتمد يدها لمن ثارت عليهم، نكاية وجكراً بمن تختلف معهم.
الثورة التي كان أول شعاراتها "الشعب يريد إسقاط النظام" لم تقم لتجلس مع النظام على طاولة واحدة وتفاوضه، وإن فعلت فهذا يعني ببساطة أنها هُزمت، ومن نعم الله أن الثورة في سورية ليست هي من جلس على طاولة واحدة مع النظام، فمن جلس هم جزء من المخلفات المستعملة غير القابلة للتدوير، في حين أنها لا تزال تواجه النظام وتعمل على إسقاطه كاملاً بكل بُناه ومؤسساته وهياكله، فهذه المؤسسات التي استخدمها النظام لاستعباد السوريين طوال نصف قرن، هي ما قامت الثورة لإسقاطه وليس فقط الرئيس، ولتسقط الدولة فالثورة قامت لبناء دولة جديدة، وليس لترميم هياكل هي أساساً مخربة وقائمة على الفساد والرعب.
من يتحدث عن ثورة بحل سياسي هي كمن يقول الخطان المتوازيان يلتقيان!!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.