المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حكم البابا  Headshot

هل خلطت جيزيل خوري بين رفعت الأسد والأم تيريزا!؟

تم النشر: تم التحديث:

كان يمكنني أن أتجاهل اللقاء الذي عرضته الـ bbc عربية على شاشتها مع ريبال الأسد، وأعتبره جزءًا من جلسة المكياج التي تقوم بها المحطة منذ فترة طويلة لنظام بشار الأسد وعائلته وكل ما يمت إليه بصلة.. وكان يمكنني أن أعتبر كلام ريبال الذي قاله في برنامج "المشهد" لإعادة تدوير صورة والده رفعت الأسد ودوره في سورية عندما كان الرجل الثاني في هرم السلطة السورية الفعلي بعد شقيقه حافظ الأسد، وقائدًا لميليشيات سرايا الدفاع، ورئيسًا لرابطة خريجي الدراسات العليا، مجرد ثرثرة ودفاع ضعيف عن النفس لا يقدّم ولا يؤخر في الحكم على الرجل المتهم الرئيس في ارتكاب مجزرتي حماه وتدمر، الذي أعطى الأوامر لمظلياته بنزع حجاب النساء في شوارع دمشق، وروّع الآمنين في أماكن ومدن كثيرة أخرى، وكان مجرد ذكر اسمه يثير الرعب ويستحضر الموت في سورية لسنوات.

كان يمكن لهذا اللقاء بكل ما فيه من دفاع بدائي وتزوير ساذج للتاريخ القريب أن يمر بدون أن يلفت الانتباه، لو لم يكن طرفه الثاني الإعلامية اللبنانية جزيل خوري، أرملة الكاتب والصحافي الشهيد سمير قصير، أحد وجوه ثورة الحرية والاستقلال في لبنان، الذي ما زال نظام بشار الأسد الطرف الوحيد المتهم بقتله حتى اليوم، والذي يعود إليه وإلى قضية استشهاده التي تبنتها أرملته جزء كبير من الثقة والمصداقية في أدائها الإعلامي.

بعد تفكير طويل في اللقاء وفي ظروفه وأسبابه وأهدافه التي أجهلها أستطيع أن أقول إنني حصلت على قائمة طويلة من الأسئلة بدون إجابات، وإن كانت بعض هذه الأسئلة تحاول في صيغتها كأسئلة أن تفترض أجوبة أو ملامح أجوبة على الأقل، وأستطيع هنا أن أذكر بعض ما فكرت به فأسأل: ما الذي دفع السيدة خوري للقاء ريبال الأسد، وهي تعرف أن الفتى لا يملك من حيثية إلا كونه ابنًا لرفعت الأسد؟ وهل تظن أن مثل هذه الحيثية كافية لوحدها لتخصيص نصف ساعة في محطة إخبارية رئيسة للقاء الفتى؟ أم أنها تظن أن رئاسته لمنظمة إيمان لحوار الأديان ومحاربة التطرف في لندن، ومنظمة الحرية والديمقراطية في سورية هو سبب مقنع لإجراء مثل هذا اللقاء معه؟

ثم لو تجاوزنا إشكالية الصفة التي استضافت فيها جيزيل خوري ريبال الأسد، وقبلنا بأن مجرد المقابلة مع ابن رفعت الأسد هو صيد ثمين لها كإعلامية، ما الذي قدمه ضيفها لها في اللقاء من معلومات جديدة حول والده والفترة التي كان فيها جزءًا من حكم سورية بالحديد والنار؟ هل إنكار مشاركة رفعت الأسد في مجزرة حماة، واعتبار المجزرة أساسًا هي دفاع مشروع قامت به سلطة شرعية ضد مجموعة إرهابية هو الجديد الذي قدمه ضيفها لها في المقابلة؟ أم أن الإنكار التام لوقوع مجزرة تدمر، فضلًا عن مشاركة قوات رفعت الأسد بأوامر مباشرة منه هو المفاجئ الذي حصلت عليه السيدة خوري من ضيفها؟

هل إعادة تدوير دفاع رفعت الأسد الطويل عن نفسه خلال ثلاثين عامًا بعد خروجه من سورية، وتحميله كل ما ارتكب من جرائم وانتهاكات في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي في سورية للأطراف التي كانت تعاديه داخل السلطة، وتصوير نفسه بأنه كان الرائد الأول في المطالبة بالديمقراطية في سورية هو الأمر الاستثنائي الذي حصلت عليه جيزيل خوري من ابنه؟ أم لعلها ظنت أن الحديث عن مناداة رفعت الأسد لجنود مليشياته بالفرسان وإصداره لمجلة الفرسان الناطقة باسم سرايا دفاعه، وحديث ابنه عنها باعتبارها كانت مركز الديمقراطية الأول في سورية هو الخبطة الصحفية الكبرى التي فجرها ريبال الأسد في مقابلته؟ أم ربما رأت السيدة خوري بأنها فجرت جديدًا حين سلطت الضوء للمرة الأولى على الجانب الإنساني في حياة أبناء المتهم الأول بارتكاب مجزرتي حماة وتدمر وترويع الآمنين في سورية لسنوات، وتركت لضيفها شرح الترويع والرعب الذي عاشه وضيّع طفولته حين اضطر للتنقل في سيارات مصفحة ووسط عدد كبير من الحرس والمسلحين؟!

استفاد ريبال الأسد في مقابلته مع جيزيل خوري من الظرف العالمي الحالي، والحملة الدولية المتنامية لمحاربة الإسلام السياسي والجهادي، فبرر مجازر النظام السوري في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي باعتبارها جزءًا من محاربة الإرهاب، ووصم الثورة السورية في مرحلتها الحالية بالإرهاب، وفي مواجهته كانت تجلس جيزيل خوري صامتةً إلا من اعتراضات "أضعف الإيمان" التي كانت تبديها ببرودة أعصاب تحسد عليها!

طبعًا لا أحد يتوقع أو يطلب من السيدة خوري أن تنفعل وتمسك ضيفها من ربطة عنقه، وتطرحه أرضًا وهو تصرخ بوجهه ساردةً تاريخًا من المجازر يعرفها كل سوري، ولا ينكرها حتى أبناء النظام، والمتهم الرئيس فيها هو والد الفتى الجالس أمامها وهو يبرر وينظّر ويتهم ويدين ويبرئ على راحته، فيما هي تجلس صامتة، لم تجد من دليل اتهام لوالد ضيفها بارتكاب مجازر سوى ذكر رواية "القوقعة"، وكأن ما حدث في سورية من مجازر كان يحتاج لرواية كي يتم إثباته!
من بين أسئلتي الكثيرة حول المقابلة مع ريبال الأسد وظروفها وهدفها، سؤال أساسي يخص جوهرها: هل خرجت المقابلة بهذه الحيادية مع كل كمية المكياج التي أهدرت فيها لتزيين وتجميل وجه مرعب لتقصير في الإعداد وسوء في التحضير والقراءة وتجميع الأدلة والإثباتات لمواجهة الضيف وتفنيد إجاباته؟ أم أن هناك من يرى اليوم ومع تنامي حركات الإسلام السياسي والجهادي، أن نظام الأسد مع كل مجازره وبأكثر وجوهه إجرامًا أحب إليه وأهون عليه من أي تبديل قد يأتي بإسلاميين مهما كان نوعهم للحكم؟

هذا هو السؤال اليوم، وأرجو أن لا يخرج عليّ أحدهم ليقول لي إن السيدة خوري كانت تجلس بمنتهى الحيادية والبرودة أمام ريبال الأسد لأن على الإعلامي أن يكون حياديًّا وهو يجلس في مقابل من يمنح البراءة لمتهم بارتكاب مجازر، أو لأنها أرادت أن تترك للمشاهد حرية الحكم على ضيفها، أو ربما لأنها كانت تشعر بصداع نصفي في رأسها!!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.